الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
قوله ( وإن تصارفا ثم افترقا ، فوجد أحدهما ما قبضه رديئا فرده : بطل العقد في إحدى الروايتين ) . وفي الأخرى : إن قبض عوضه في مجلس الرد لم يبطل . اعلم أنه إذا تصارفا ووجدا أو أحدهما بما قبضه عيبا ، أو غصبا . فتارة يكون العقد قد وقع على عينين ، وتارة يكون في الذمة . فإن كان قد وقع على عينين ، فتارة يكون العيب من جنسه ، وتارة يكون من غير جنسه . فإن كان من غير جنسه ، فتارة يكون قبل التفرق وتارة يكون بعده . وإن كان من جنسه ، فتارة أيضا يكون قبل التفرق ، وتارة يكون بعده . إذا وقع العقد قد وقع في الذمة فتارة يكون العيب من غير جنسه وتارة يكون من جنسه . فإن كان من غير جنسه : فتارة يكون قبل التفرق ، وتارة يكون بعده . وإن كان من جنسه فتارة أيضا يكون قبل التفرق ، وتارة يكون بعده ، كما قلنا فيما إذا وقع العقد على عينين . فهذه ثمان مسائل . أربعة فيما إذا وقع العقد على عينين . وأربعة فيما إذا كان في الذمة . [ ص: 46 ] وهذه الثمانية تارة تكون المصارفة فيها من جنس واحد ، وتارة تكون من جنسين . فهذه ستة عشر مسألة .

فإن وقع العقد على عينين من جنسين ، ولو بوزن متقدم يعلمانه ، أو إخبار صاحبه ، وكان العيب من غير جنسه . فالصحيح من المذهب : بطلان العقد ، سواء كان قبل التفرق أو بعده . وعليه الأصحاب . وجزم به في الوجيز وغيره . وقدمه في الفروع وغيره . قال المصنف : كقوله : بعتك هذا البغل . فإذا هو حمار . وعنه : يصح ويقع لازما . قال في الرعاية : وهو بعيد . قال الزركشي : ولا معول عليها . وعنه له رده وأخذ البدل . وقال في القواعد : ويحتمل أن يصح بما في الدينار من الذهب بقسطه من البيع ويبطل في الباقي ، وللمشتري الخيار لتبعيض المبيع عليه . قلت : وهو قوي في النظر . فعلى المذهب : ظاهره سواء كان العيب كثيرا أو يسيرا . وهو كذلك . وظاهر كلام أبي الحسين التميمي في خصاله : إن كان العيب يسيرا من غير جنسه لا يبطل العقد . وإليه ميل ابن رجب . وما هو ببعيد . وإن وقع على عينين من جنسين ، والعيب من جنسه وقلنا : النقود تتعين بالتعيين فتارة يكون قبل التفرق ، وتارة يكون بعده .

فإن كان قبل التفرق فالصحيح من المذهب : صحة العقد . وعليه أكثر الأصحاب . وجزم به في الوجيز ، والقواعد ، وغيرهما . قال في الفروع : هذا الأشهر . وقال في الواضح وغيره : يبطل . وهو ظاهر نقل جعفر وابن الحكم . فعلى المذهب : له قبوله ، وأخذ أرش العيب من غير جنس الثمن ، وهذا الصحيح . وعليه أيضا أكثر الأصحاب . وهو في بعض نسخ الخرقي . [ ص: 47 ] وقال في القواعد ، والزركشي ، وظاهر ما أورده أبو الخطاب في الهداية مذهبا . وإحدى نسخ الخرقي : لا يجوز أخذ الأرش مطلقا . وإن كان بعد التفرق عن مجلس العقد ، فالصحيح من المذهب : أن حكمه حكم ما لو كان قبل التفرق . على ما تقدم ، وهو ظاهر ما جزم به في الشرح قال في الفروع : هذا الأشهر . قال الزركشي : والصواب لا فرق بين المجلس وبعده . وقيده في الوجيز بالمجلس . وهو اختيار المصنف . قال الزركشي : وأظنه أنه اختيار الشيخ تقي الدين رحمه الله . وفي الواضح وغيره : يبطل . وهو ظاهر نقل جعفر وابن الحكم ، كما تقدم . فعلى المذهب : له قبوله وأخذ أرش العيب ، ويكون من غير جنس الثمن . لأنه لا يعتبر قبضه ، كبيع بر بشعير ، فيجد أحدهما عيبا . فيأخذ أرشه درهما بعد التفرق . ولا يجوز أخذه من جنس الثمن كما تقدم .

والصحيح من المذهب : له رده ، سواء ظهر على العيب في المجلس أو بعده . ولا بدل له . لأنه يأخذ ما لم يشتره ، إلا على رواية أن النقود لا تتعين بالتعيين . قدمه في الفروع . وهو ظاهر ما جزم به في المحرر . ونقل الأكثر عن أحمد : أن له رده وبدله . ولم يفرق في العيب . وأما إذا وقع العقد في الذمة على جنسين ، وكان العيب من جنسه . فتارة يجده قبل التفرق ، وتارة بعده . فإن وجده قبل التفرق فالصرف صحيح . وله المطالبة بالبدل . وله الإمساك وأخذ الأرش في الجنسين ، على الصحيح من المذهب . قاله الزركشي وجزم في الوجيز بأن له المطالبة بالبدل . وجزم به في الشرح وغيره . وإن وجده بعد التفرق ، فالصرف أيضا صحيح . ثم هو مخير بين الرد [ ص: 48 ] والإمساك . فإن اختار الرد . فعنه يبطل العقد . اختاره أبو بكر . وعنه : لا يبطل . وله البدل في مجلس الرد .

فإن تفرقا قبله بطل العقد . وهو اختيار الخرقي ، والخلال ، والقاضي ، وأصحابه ، وغيرهم . وجزم به في الوجيز . وهو ظاهر ما جزم به في المحرر . وأطلقهما المصنف هنا ، والشارح ، وابن منجى في شرحه ، والزركشي ، وصاحب الفروع . قال الزركشي : وحكى رواية ثالثة أن البيع قد لزم . قال : وهي بعيدة . فعلى الأولى : إن وجد البعض رديئا فرده : بطل فيه . وفي البقية : روايتان تفريق الصفقة . والمصنف أطلق هنا الوجهين . وعلى الثانية : له بدل المردود في مجلس الرد . وإن اختار الإمساك : فله ذلك بلا ريب ، لكن إن طلب معه الأرش . فله ذلك في الجنسين على الروايتين . قال الزركشي : هذا هو المحقق . وقال أيضا ، وقال أبو محمد يعني به المصنف له الأرش على الرواية الثانية ، لا الأولى . انتهى .

إن كان العيب من غير الجنس فيما إذا كانا جنسين . فإن كان قبل التفرق رده ، وأخذ بدله . والصرف صحيح . على الصحيح من المذهب . اختاره ابن عقيل ، والشيرازي ، والمصنف ، وصاحب التلخيص ، وغيرهم : وجزم به في الوجيز . وهو ظاهر كلام أبي الخطاب . وقال صاحب المستوعب ، والشيخ تقي الدين : الصرف فاسد . وهو ظاهر كلام الخرقي . فعلى المذهب : لو وجد العيب في البعض ، فبعد التفرق يبطل فيه . وفي غير المعيب روايتان تفريق الصفقة ، وقبل التفرق ببدله . وإن وجده بعد التفرق فسخ العقد . على الصحيح من المذهب [ ص: 49 ] قال الزركشي : هذا هو المذهب المحقق . وعليه يحمل كلام الخرقي عندي . انتهى .

وجزم به في الفائق ، والوجيز . وأجرى المصنف في الكافي ، وصاحب التلخيص فيه قال في الفروع : وجماعة الروايتين اللتين فيما إذا كان العيب من الجنس . إحداهما : بطلان العقد برده .

والثانية : لا يبطل ، وبدله في مجلس الرد يقوم مقامه . فمجرد وجود العيب من غير الجنس عندهما بعد التفرق لا يبطل ، قولا واحدا . عكس المذهب قال الزركشي : وليس بشيء .

تنبيه :

هذه الأحكام التي ذكرت : فيما إذا كانت المصارفة في جنسين . وحكم ما إذا كانت من جنس واحد حكم ما إذا كانت من جنسين إلا في أخذ الأرش . فإنه لا يجوز أخذه من جنسه ، قولا واحدا . كما تقدم . وقيل : يجوز . قال في الفروع : وهو سهو . قال المصنف ، والشارح : ولا وجه له . ويأتي ذلك قريبا . وأما مسألة السلم التي ذكرها المصنف هنا : فيأتي حكمها في باب السلم في أول الفصل السادس

التالي السابق


الخدمات العلمية