الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                      صفحة جزء
                                                      مسألة

                                                      العلة تنقسم باعتبار عملها في الابتداء والدوام إلى ثلاثة أقسام :

                                                      ( أحدها ) ما يكون علة لاقتضاء الحكم واستدامته كالرضاع في تحريم النكاح ، وكالإيمان وعدم الملك في المنكوحة . ( الثاني ) ما تكون علة للابتداء دون الاستدامة ، كالعدة والردة هما علتان في منع ابتداء النكاح دون استدامته ، وكعدم الطول وخوف العنت وعدم الإحرام . وما ذكرناه من كون هذا القسم من أحكام العلل ذكره الأصوليون وغيرهم ، منهم ابن القطان في كتابه وإلكيا والشيخ أبو إسحاق والإمام في المحصول وغيرهم ، وحكاه سليم في التقريب عن بعض أصحابنا . ثم قال : وهذا قول فاسد ; لأنه يوجب القول بتخصيص العلة [ ص: 221 ] ونقضها ، والعدة والردة إنما جعلتا علة في منع ابتداء علة عقد النكاح ، وهما علة في منع ذلك بكل حال ، ولم يجعلا علة في منع الاستدامة ، فلا يقال : إن استدامته تجوز مع وجود العلة ، وكذلك كل ما أشبهه .

                                                      ( الثالث ) : عكسه ، كالطلاق ، فإنه يرفع حل الاستمتاع ولكن لا يدفعه ، إذ الطلاق لا يمنع وقوع نكاح جديد . قال ابن القطان : وجملة الكلام في هذا أن العلل على حسب ما رتبها الله ونصبها ، فإن نصبها للابتداء والدوام ، أو لأحدهما ، كانت له . وقد أطال أصحابنا الكلام مع المزني فيما إذا تزوج بالأمة ثم أيسر ، هل يصح النكاح ؟ فإنه ذهب إلى انفساخه كالابتداء ، وناقض في ذلك فجوزه مع ارتفاع العنت وهو لا يحل في الابتداء . فالواجب اعتبار ما نصبه تعالى دون الاشتغال بأعيان . وقد اختلف قول الشافعي رحمه الله في أكل الميتة مضطرا في الابتداء غير مضطر في الانتهاء ، هل يأكل بعد ارتفاع الضرورة ؟ فخرجه على قولين : ( أحدهما ) أنه يأكل ، و ( الثاني ) لا ، من حيث إنه قد ارتفعت العلة . وهذا معنى قول أصحابنا : الشيء إذا أبيح لمعنيين فارتفع أحدهما هل يباح أو يرجع إلى الضد ؟ وقيل : لا حتى يرتفع المعنيان جميعا . وعندنا أن الأمر على ما نصب له قلت : وهذا الخلاف حكاه القاضي في الحكم العقلي إذا وجب بعلتين كما سنذكره .

                                                      التالي السابق


                                                      الخدمات العلمية