الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                      صفحة جزء
                                                      [ ص: 322 ] المسلك العاشر تنقيح المناط

                                                      والتنقيح : هو التهذيب والتمييز ، وكلام منقح ، أي : لا حشو فيه .

                                                      والمناط : هو العلة . قال ابن دقيق العيد : وتعبيرهم بالمناط عن العلة من باب المجاز اللغوي ، لأن الحكم لما علق بها كان كالشيء المحسوس الذي تعلق بغيره ، فهو مجاز من باب تشبيه المعقول بالمحسوس ، وصار ذلك في اصطلاح الفقهاء بحيث لا يفهم عند الإطلاق غيره .

                                                      ولما كانت هذه العلة منصوصا عليها ولكنها تختلط بغيرها محتاجة إلى ما يميزها لقبوه بهذا اللقب . وهو أن يدل ظاهر على التعليل بوصف مذكور مع غيره مما لا مدخل له في التأثير لكونه طرديا أو ملغى ، فينقح حتى يميز المعتبر ، ويجتهد في تعيين السبب الذي أناط الشارع الحكم به وأضافه إليه بحذف غيره من الأوصاف عن درجة الاعتبار . وحاصله : إلحاق الفرع بالأصل بإلغاء الفرق ، بأن يقال : لا فرق بين الأصل والفرع إلا كذا وكذا ، وذلك لا مدخل له في الحكم ألبتة فيلزم اشتراكهما في الحكم لاشتراكهما في الموجب له ، كقياس الأمة على العبد في السراية ، فإنه لا فارق بينهما إلا الذكورة ، وهو ملغى بالإجماع ، إذ لا مدخل له في العلية . وسماه الحنفية ( الاستدلال ) وأجروه في الكفارات ، وفرقوا بينه وبين القياس بأن القياس ما ألحق فيه بذكر ( الجامع ) الذي لا يفيد إلا غلبة الظن . [ ص: 323 ] و ( الاستدلال ) ما يكون الإلحاق فيه بإلغاء الفارق الذي يفيد القطع ، حتى أجروه مجرى القطعيات في النسخ وجوزوا الزيادة على النص ولم يجوزوا نسخه بخبر الواحد . قال الهندي : والحق أن تنقيح المناط قياس خاص مندرج تحت مطلق القياس ، وهو عام يتناوله وغيره ، وكل منهما قد يكون ظنيا - وهو الأكثر - وقطعيا . لكن حصول القطع فيما فيه الإلحاق بإلغاء الفارق أكثر من الذي الإلحاق فيه بذكر الجامع ، لكن ليس ذلك فرقا في المعنى بل في الوقوع ، وحينئذ لا فرق بينهما في المعنى .

                                                      وقال الغزالي : تنقيح المناط يقول به أكثر منكري القياس ، ولا نعرف بين الأمة خلافا في جوازه . ونازعه العبدري بأن الخلاف فيه ثابت بين من يثبت القياس وينكره ، لرجوعه إلى القياس . وقال الإبياري : هو خارج عن القياس ، وكأنه يرجع إلى تأويل الظواهر ، ولهذا أنكر أبو حنيفة القياس في الكفارات وقال : إن الكفارة خرجت على الأصل .

                                                      وقال ابن رحال : إن كان المقصود بالتنقيح تعليل الحكم في حق شخص ، كما في حديث المجامع ، فالأمر كما قال الحنفية ، ولا يكون إثبات الحكم بطريق القياس ، لأن القياس لا يستعمل في حق الأشخاص بل تكون التعدية بقوله عليه الصلاة والسلام : { حكمي على الواحد حكمي على الجماعة } . وإن كان المقصود تعليلا في واقعة فليس كما قالوا ، بل هو من قبيل القياس ، كما في قوله صلى الله عليه وسلم : { لا يقضي القاضي وهو غضبان } والفرق [ ص: 324 ] أن الحكم لا يتعدى من واقعة إلى واقعة بغير القياس ، ويتعدى من شخص إلى شخص بغير القياس .

                                                      التالي السابق


                                                      الخدمات العلمية