الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                      صفحة جزء
                                                      مسألة

                                                      ومن فوائد الخلاف في أن " الفرق معارضة أو مقبول لنفسه " أنه إذا أبدى الفارق معنى في الأصل مغايرا لمعنى المعلل وعكسه في الفرع ، وربط به الحكم مناقضا لحكم العلة الجامعة . ففي اشتراط رد معنى الفرع إلى الأصل أقوال :

                                                      أحدها : أنه يحتاج أن يرد علة الأصل إلى الأصل ، وعلة الفرع إلى أصل . وذهب إليه طوائف من الجدليين . ونقل عن الأستاذ ، بناء منهم على أنه معارضة فينبغي اشتمالها على علة مستقلة ، وعلى أن الاستدلال المرسل مردود . فقال القاضي : مذهبي قبول الاستدلال ، ولو كنت من القائلين بإبطال الاستدلال لقبلته على أنه فرق ، بناء على القول الصحيح أنه يقبل لخاصيته وهو المناقضة ، وهذا يحصل من غير رد إلى أصل . وما أظهره الفارق لا أصل له . [ ص: 387 ]

                                                      والثاني : لا يحتاج إلى ذلك ، لا في الأصل ولا في الفرع ، ونسب للجمهور ، وهو اختيار الإمام والغزالي ، وبناه الإمام على أن المقصود قطع الجمع ، وذلك حاصل من غير أصل ، وبناه الغزالي على أن الاستدلال المرسل مقبول ، ونقل عن الشافعي ذلك في تفاصيل ذكرها في " المنخول " .

                                                      والثالث : يحتاج إلى ذلك في علة الفرع دون الأصل ، وهذا ما اختاره الشيخ أبو إسحاق ، أي إن كان الفرق بذكر وصف في الفرع انقطع ، فلا بد من أصل ، وإن كان في الأصل إذا عكسه في الفرع انقطع الجمع ولم يبق عليه الظن .

                                                      والرابع : التفصيل بين أن يرد الفرق على قياس الشبه فلا يحتاج إلى أصل ، وإن كان على قياس المعنى احتاج إليه .

                                                      والخامس : أن الفرق في الفرع إن كان يخل بحكمة السبب لا يفتقر إلى أصل ، وإن لم يخل افتقر إلى أصل ، لأن المقصود من إثبات الحكم تحصيل المصلحة . وقال الباجي : الأول هو الصحيح ، لأنه متى لم يرد كلا منها إلى أصل كان مدعيا في الأصل والفرع علتين واقفتين ، ومسلما لعلة المسئول ، وهي متعدية ، والمتعدية أولى من الواقفة ، فكأنه عارض المستدل بدون دليله ، وذلك لا يكفي في المعارضة ، لأن المستدل لو رجح دليله على معارضة السائل ببعض أنواع الترجيح لحكم له بالسبق . وممن حكى هذه المذاهب الباجي وأبو الخير بن جماعة في كتابه " الوسائل " .

                                                      فرع : فإن شرطنا رد معنى الفرع في الفرق إلى أصل ، فلو أبداه في الأصل فقيل : يلزمه رده إلى أصل آخر ، فيحتاج الفرع والأصل إلى أصلين ، لأنهما معنيان . وقيل : لا يلزمه ، بناء على ما سبق ، لأن الغرض مضادة الجامع فيهما كالمعنى الواحد ، ولو قلنا بالاحتياج إلى أصل لقبلنا [ ص: 388 ] المعارضة في ذلك الأصل بأصل آخر ويستمر الأمر كذلك ، وهو باطل . هذا إذا أبدى معنى في الأصل وعكسه في الفرع . فلو عكس الفارق في الفرع معنى الأصل فلم يناقض فقه العكس فقه الجمع ، أو ناقضه على بعد ، فاحتاج إلى مزيد في الفرع ، فاختلف الجدليون فيه : فمن اعتقد الفرق معارضة لم يمنع الزيادة . ومن قال : إنما هو معنى يضاد الجامع اكتفى بثبوته في الأصل ونفيه في الفرع ، وهذه الزيادة في الفرع ليس لها في جانب الأصل ثبوت ، فلا حاجة إليها .

                                                      التالي السابق


                                                      الخدمات العلمية