الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                      صفحة جزء
                                                      [ المسلك ] الخامس في إثبات العلية [ المناسبة ]

                                                      وهي من الطرق المعقولة ، ويعبر عنها ب " الإخالة " وب " المصلحة " وب " الاستدلال " وب " رعاية المقاصد " . ويسمى استخراجها " تخريج المناط " لأنه إبداء مناط الحكم . وهي عمدة كتاب القياس وغمرته ومحل غموضه ووضوحه . وهو تعيين العلة بمجرد إبداء المناسبة ، أي : المناسبة اللغوية التي هي الملاءمة . فلا دور من ذات الأصل ، لا بنص ولا غيره ، مع السلامة عن القوادح . كالإسكار في تحريم الخمر .

                                                      والمناسب - لغة : الملائم ، وأما في الاصطلاح فقال من لم يعلل [ ص: 263 ] أفعال الله بالغرض : إنه الملائم لأفعال العقلاء في العادات ، أي ما يكون بحيث يقصد العقلاء لفعله على مجاري العادة تحصيل مقصود مخصوص . وقال من يعللها : هو ما يجلب للإنسان نفعا ، أو يدفع عنه ضرا . وهو قول الدبوسي : ما لو عرض على العقول تلقته بالقبول . قيل : وعلى هذا فإثباتها على الخصم متعذر ، لأنه ربما يقول : عقلي لا يتلقى هذا بالقول . ومن ثم قال أبو زيد الدبوسي : هو حجة للناظر لأنه لا يكابر نفسه ، دون المناظر . قال الغزالي " رحمه الله " : والحق أنه يمكن إثباته على الجاحد بتبيين معنى المناسبة على وجه مضبوط ، فإذا أبداه المعلل فلا يلتفت إلى جحده . وقيل : إن التفسير الأول بني على جواز تخصيص العلة ، وأن المناسب لا ينخرم بالمعارض . والتفسير الثاني بني على منع التخصيص ويأخذ انتفاء العارض في حد المناسب . وقال الخلافيون : المناسبة مباشرة الفعل الصالح لحكمة ومصلحة . أو : صلاحية الفعل لحكمة ومصلحة . وقال ابن الحاجب وغيره : هو وصف ظاهر منضبط يحصل عقلا من ترتب الحكم عليه ما يصلح أن يكون مقصودا للعقلاء من حصول مصلحة دينية أو دنيوية ، أو دفع مفسدة . فإن كان الوصف خفيا أو ظاهرا غير منضبط فالمعتبر ما يلازمه ، وهو المظنة ، كالمشقة ، فإنها للمقصود ولا يمكن اعتبارها بنفسها ، لأنها غير منضبطة ، فتعتبر بما يلازمه وهو السفر . قال [ ص: 264 ]

                                                      الهندي : وهو ضعيف ، لأنه اعتبر في ماهية المناسبة ما هو خارج عنه ، وهو اقتران الحكم للوصف ، وهو خارج عن ماهية المناسبة ، بدليل أنه يقال : المناسبة مع الاقتران دليل العلية ، ولو كان الاقتران داخلا في الماهية لما صح هذا . وأيضا فهو غير جامع ، لأن التعليل بالظاهرة المنضبطة جائز ، على ما اختاره قائل هذا الحد ، والوصفية غير متحققة فيها مع تحقق المناسبة . وقد احتج إمام الحرمين على إفادتها العلية بتمسك الصحابة بها ، فإنهم يلحقون غير المنصوص بالمنصوص إذا غلب على ظنهم أنه يضاهيه لمعنى أو يشبهه . ورده في الرسالة البهائية " بأنه ما نقل إلينا أنهم كانوا يتمسكون بكل ظن غالب ، فلا يبعد التعبد من نوع الظن الغالب ، ونحن لا نعلم ذلك النوع . ثم قال : الأولى الاعتماد على العمومات الدالة على الأمر بالقياس . وقد أورد على اعتبار الفقهاء " المناسبة " في الأحكام بأنه يقتضي تعليل أحكام الله بالغرض ، كما يقوله المعتزلة ، وقد سبق تحرير هذا في الكلام على العلل . والحق أن استقراء أحكام الشرع دل على ضبط هذه الأحكام بالمصالح ، وهذا كاف فيما نرومه ، وذلك بفضل الله ( جل اسمه ) لا وجوبا ، خلافا للمعتزلة في وجوب رعاية الأصلح . واعلم أن الأصل عدم " التعبد " لندرته في الأحكام بالنسبة إلى " ما يعقل معناه " . والأغلب على الظن إلحاق الفرد بالأعم الأغلب ، وإنما يحكم بالتعبد فيما لا تظهر فيه مناسبة إلا عند من يعلل بالوصف الشبهي ، فإنه غير مناسب بنفسه ولا معلوم اشتماله على المناسب ، ولا يصار إلى التعبد معه عند القائلين به .

                                                      التالي السابق


                                                      الخدمات العلمية