الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

كلام ابن رشد في تهافت التهافت وتعليق ابن تيمية عليه

وقول القائل: "لو قدر له ما يكمل به لكانت ذاته من حيث ذاته ناقصة" قول باطل من وجوه.

أحدها: أن ذاته المجردة عن الصفات لا حقيقة لها، أو نقول: لا نعلم ثبوتها، أو نعلم أن الذات المجردة عن الكمال معدومة.

ولفظ ذات لفظ مولد، وهو تأنيث ذو، ومعنى ذات: أي ذات علم، وذات قدرة، وذات حياة.

فتقدير ذات بلا صفات، تقدير المضاف المستلزم للإضافة بدون الإضافة.

ولهذا أنكر طائفة من أهل العربية كابن برهان والجواليقي النطق بهذا اللفظ، وقالوا: هذا مؤنث، والرب لا يجري عليه اسم مؤنث، ولكن الذين أطلقوه عنوا به نفسا ذات علم، أو حقيقة ذات علم.

وفي الجملة فتقدير الذات ذاتا مجردة عن الصفات، هو الذي أوقعه في هذه الخيالات الفاسدة. [ ص: 158 ]

وقوله: الذات من حيث ذاته: إن أراد به أن الذات من حيث هي لا صفة لها، فهذه لا وجود لها، فصلا عن أن تكون كاملة.

وإن أراد من حيث حقيقتها الموجودة، فهي من تلك الجهة لا تكون إلا متصفة بصفات الكمال.

قوله: وهذا كما قلت في السمع والبصر والعلم بالجزئيات الداخلة تحت الزمان، فإنك وافقت سائر الفلاسفة على أن الله منزه عنه إلى قوله: وهذا لا مخرج منه.

فيقال: لا ريب أنه لا مخرج لابن سينا من هذا الإلزام، فإنه إذا لم يكن عنده عدم العلم بالجزئيات نقصا، كذلك عدم العلم بالكليات. وإن قال: عدم علمه بها كمال، أمكن منازعوه أن يقولوا: نفي علمه بالثابتات كمال.

وإذا قال: أنا نفيت عنه؛ لأن إثباته يفضي إلى التغير.

قالوا له: ونحن نفينا ذاك لأنه يفضي إلى التكثر.

فإذا قال: ذاك التكثر ليس بممتنع.

قيل له: وهذا التغير ليس بممتنع.

وذاك أنه جعل التكثر في الإضافات، فإن كان هذا حقا، أمكن أن يقال بالتغير في نفس الإضافات. [ ص: 159 ]

وذلك أنه إن قال: إن نفس العلم إضافة، فالتكثر والتجدد في العلم إضافة.

وإن قال: بل هو صفة مضافة، والتكثر في المعلوم لا في العلم، بل يعلم بعلم واحد جميع المعلومات، كما يقوله ابن كلاب والأشعري ومن وافقهما.

قيل له: والتغير في المعلوم لا في العلم؛ لأن العلم واحد لا يتعدد، فضلا عن أن يتغير.

وإن قال: هذا باطل، فإن العلم بأن سيكون الشيء، ليس هو العلم بأن قال قد كان.

قيل له: وكذلك العلم بالسماء، ليس هو العلم بالأرض.

وأنت تقول أبلغ من ذلك، تقول: ليس العلم إلا العالم، بل تقول: العلم والعالم شيء واحد.

ومعلوم أن هذا القول أبعد عن المعقول، من قول من قال: العلم بالمعلومات شيء واحد. فإن هذا يقول: إن العلم ليس هو العالم ولا هو المعلوم، بل هو صفة للعالم.

ولا ريب أن ابن سينا يتناقض في هذه المواضع. فتارة يجعل العلم زائدا على الذات العالمة، وتارة لا يقول بذلك.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث