الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
وسبب تحريك النفس الشوق إلى التشبه بالله والملائكة المقربين، والكل معلوم له؛ أي ينكشف له انكشافا واحدا متناسبا، لا يؤثر فيه الزمان.

ومع هذا فحال الكسوف لا يقال: إنه يعلم أن الكسوف موجود الآن، ولا يعلم بعده أنه انجلى الآن، وكل ما يجب في [ ص: 183 ] معرفته الإضافة إلى الزمان، فلا يتصور أن يعلمه؛ لأنه يوجب التغير.

وهذا فيما ينقسم بالزمان. وكذا مذهبهم فيما ينقسم بالمادة والمكان، كأشخاص الناس والحيوانات، فإنهم يقولون: لا يعلم عوارض زيد وعمرو وخالد، وإنما يعلم الإنسان المطلق بعلم كلي، ويعلم عوارضه وخواصه، وأنه ينبغي أن يكون بدنه مركبا من أعضاء: بعضها للبطش، وبعضها للمشي، وبعضها للإدراك، وبعضها زوج، وبعضها فرد، وأن قواه ينبغي أن تكون مبثوثة في أجزائه، وهلم جرا، إلى كل صفة في داخل الآدمي وباطنه، وكل ما هو من لواحقه وصفاته ولوازمه، حتى لا يعزب عن علمه شيء، ويعلمه كليا.

فأما شخص زيد، فإنما يتميز عن شخص عمرو للحس لا للعقل، فإن عماد التمييز الإشارة إلى جهة معينة، والعقل يعقل الجهة المطلقة الكلية، والمكان الكلي.

فأما قولنا: هذا وهذا، فهو إشارة إلى نسبة حاصلة لذلك المحسوس إلى الحاس، بكونه منه على قرب أو بعد أو جهة معينة، وذلك يستحيل في حقه. [ ص: 184 ]

قال الغزالي: وهذه قاعدة اعتقدوها واستأصلوا بها الشرائع بالكلية؛ إذ مضمونها أن زيدا مثلا، لو أطاع الله أو عصاه، لم يكن الله عالما بما يتجدد من أحواله؛ لأنه لا يعرف زيدا بعينه، فإنه شخص، وأفعاله حادثة بعد أن لم تكن، وإذا لم يعرف الشخص لم يعرف أحواله وأفعاله، بل لا يعلم كفر زيد ولا إسلامه، وإنما يعلم كفر الإنسان وإسلامه مطلقا كليا، لا مخصوصا بالأشخاص، بل يلزم أن يقال: تحدى محمد صلى الله عليه وسلم بالنبوة.

وهو لم يعرف في تلك الحال أنه تحدى بها، وكذلك الحال مع كل نبي معين، وإنه إنما يعلم أن من الناس من يتحدى بالنبوة، وأن صفة أولئك كذا وكذا.

فأما النبي المعين بشخصه فلا يعرفه، فإن ذلك يعرف بالحس، والأحوال الصادرة منه لا يعرفها؛ لأنها أحوال تنقسم بانقسام الزمان من شخص معين، ويوجب إدراكها على اختلافها تغيرا.

قال: فهذا ما أردنا أن نذكر من نقل مذهبهم أولا، ومن [ ص: 185 ] تفهمه ثانيا، ثم نبين ما فيه من القبائح اللازمة عليه ثالثا.

قلت: قبائح مذهبهم أعظم وأكثر مما ذكره أبو حامد من وجوه كثيرة.

ومضمون حجتهم أن علم الرب بأحوال عباده يستلزم تنوع علمه بهم لتنوع المعلوم، وأن ذلك تغير يمتنع على الله، ولم يقيموا على امتناع مثل هذا المعنى حجة صحيحة: لا شرعية ولا عقلية.

ولفظ التغير فيه إجمال، كما ذكرناه في غير هذا الموضع. والتغير الممتنع ما يكون فيه استحالة تتضمن نقصا.

وأما ما ذكره من كون العلم يطابق المعلوم، فيتنوع بتنوع حاله فهو صفة كمال، وإلا كان العلم جهلا.

وأما إذا سموا هذا تغيرا وادعوا أن ما دخل في هذا الاسم وجب نفيه، فهو كتسميتهم إثبات الصفات تركيبا، ودعواهم أن ما يدخل في ذلك يجب نفيه.

التالي السابق


الخدمات العلمية