الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل في الاستثناء

جزء التالي صفحة
السابق

( وإن قال : أنت طالق ثلاثا إلا واحدة طلقت ثنتين ، وإن قال : أنت طالق ثلاثا إلا ثنتين طلقت واحدة ) [ ص: 142 ] والأصل أن الاستثناء تكلم بالحاصل بعد الثنيا هو الصحيح ، ومعناه أنه تكلم بالمستثنى منه ، إذ لا فرق بين قول القائل لفلان علي درهم وبين قوله عشرة إلا تسعة فيصح استثناء البعض من الجملة لأنه يبقى التكلم بالبعض بعده ، ولا يصح استثناء الكل من الكل لأنه لا يبقى بعده شيء ليصير متكلما به وصارفا للفظ إليه ، [ ص: 143 - 144 ] وإنما يصح الاستثناء إذا كان موصولا به كما ذكرنا من قبل ، وإذا ثبت هذا ففي الفصل الأول المستثنى منه ثنتان فيقعان وفي الثاني واحدة ، فتقع واحدة ولو قال : إلا ثلاثا يقع الثلاث لأنه استثناء الكل من الكل فلم يصح الاستثناء ، والله تعالى أعلم بالصواب

التالي السابق


( قوله ولو قال : إلا ثنتين طلقت واحدة ) وعن أبي يوسف لا يصح الاستثناء لأنه استثنى الأكثر وهو قول طائفة من أهل العربية ، وبه قال أحمد . قالوا : لم تتكلم العرب به وقوله تعالى { إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين } والغاوون الأكثرون . قال : تعالى { وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين } لا دليل فيه لأن الاستثناء منقطع ، إذ المراد بعبادي الخلص هكذا استقر الاستعمال القرآني ، على أن هذه النسبة للتشريف فلم يدخل الغاوون .

قلنا : لا نسلم عدم ثبوته لغة وما ذكرتم من التأويل في الآية ممنوع ولو سلم مع ما فيه ، ففي الحديث الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه عز وجل : { يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته ، يا عبادي كلكم عار إلا من كسوته } . ولو سلم فعدم السماع في تركيب معين [ ص: 142 ] لا يستلزم عدم صحة استعماله ; ألا ترى أنه لم يسمع له مائة إلا ثمنا وسدس ثمن وسائر الكسور ، ويجوز استعمالها ، وهذا لأن الاستثناء بيان أن المستثنى لم يرد بالصدر .

فحاصل التركيب من المستثنى والمستثنى منه أنه تكلم بالباقي بعد المستثنى ، وقولهم إخراج عن الصدر إلى آخره تجوز لأن حقيقة الإخراج متعذرة لأنها تستدعي سبق الدخول ، فإن اعتبر الدخول في التناول فالاستثناء لا يفيد الإخراج منه لأنه باق بعد الاستثناء ، لأن تناول اللفظ بعلة وضعه لتمام المعنى وهي قائمة مطلقا فلا يتصور الإخراج منها ، وإن اعتبر الدخول في الإرادة بالحكم لزم أن يكون كل استثناء نسخا ، ويلزم أن لا يصح في نحو قوله تعالى { فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما } من الإخبارات ، لأن المتكلم حينئذ إما أن يكون كاذبا في إرادة عموم الصدر بالحكم حيث لم يكن في الواقع ، أو في الاستثناء إن كان هو المنتفي ، أو غالطا في أحدهما ويستحيلان في حقه تعالى ، فلزم بالضرورة أنه بيان أن ما بعد إلا لم يرد بالحكم ، ثم هل يكون مرادا بالصدر : أعني العام أو الكل ، ثم أخرج ثم حكم على الباقي ، أو أريد ابتداء بالصدر ما سوى ما بعد إلا وإلا قرينته خلاف لا يوجب خلافا فيما ذكرنا أن حاصل تركيب الاستثناء تكلمه بالباقي : أي حكمه عليه ، وحققنا في الأصول أن معنى القول الأول أنه أريد عشرة وحكم على سبعة في قوله علي عشرة إلا ثلاثة ، فإرادة العشرة بعشرة باق بعد الحكم ، وإلا فهو المذهب الآخر بزيادة تكلف ، ثم ما ذكرنا من تحقيق دلالته لا يستلزم كون عشرة إلا ثلاثة اسما مركبا لمعنى سبعة كما نسب إلى القاضي الباقلاني ، على أن التحقيق أن قوله هو أحد المذهبين كما حققناه في الأصول ، بل مراده ما ذكره المصنف من قوله إذ لا فرق بين قول القائل علي درهم وعشرة إلا تسعة .

وقوله هو الصحيح احتراز من قول من قال إخراج ، وفيه معنى المعارضة لاستلزامه في الإخبار ما ذكرنا ، ونسب إلى الشافعية والله أعلم ، فإنهم مصرحون بأنه من المخصصات ، والتخصيص بيان أن المخصص لم يكن مرادا ، أو قالوه على تأويله بظاهر اللفظ وهو الظاهر لأن مسألة الاستثناء من النفي إثبات يوجب القول بالمعارضة لأنها توجب حكمين على الثلاثة مثلا في ضمن العشرة بالإثبات وبعد إلا بالنفي ، لكن لا شك في أنه بحسب الظاهر لا حقيقة للإسنادين فيها وإلا كان تناقضا ، وحينئذ فالثابت صورة المعارضة بين حكم الصدر وما بعد إلا ، وترجح الثاني فيجب حمل المرجوح عليه كما هو لكل معارضة ترجح فيها أحد المتعارضين ، فظهر أنه لم يحكم في الصدر إلا على سبعة .

( قوله ولا يصح استثناء الكل من الكل ) قيل : لأنه رجوع بعد التقرر وهو لا يجوز . ودفع بأنه لو كان كذلك لصح فيما يقبل الرجوع وهو الوصية ، لكنه لا يجوز فيه أيضا لو قال : أوصيت لفلان بثلث مالي إلا ثلث مالي [ ص: 143 ] لا يصح الاستثناء فعلم أنه لغيره ، وهو ما ذكر في الكتاب من أنه حينئذ لا يبقى بعده شيء يصير متكلما به ، وتركيب الاستثناء لم يوضع إلا للتكلم بالباقي بعد الثنيا لا لنفي الكل كما يفيده التبادر مع الاتفاق على نفي أنه لنفي الكل ، بل يفيد ذلك قوله ليس له شيء من العشرة ونحوه واستقراء استعمالات العرب تفيده وما حكي عن بعضهم من تجويزه يجب حمله على كون الكل مخرجا بغير لفظ الصدر أو مساويه كعبيدي أحرار إلا مماليكي فيعتقون كما صرح به في المبسوط وقاضي خان وزيادات المصنف فلو قال : نسائي طوالق إلا زينب وعمرة وفاطمة وحفصة لا تطلق واحدة منهن .

وفي البقالي لو قال : كل امرأة لي طالق إلا هذه وليس له امرأة غيرها لا تطلق . وفي الذخيرة لو قال : أنت طالق ثلاثا إلا واحدة وواحدة وواحدة بطل الاستثناء ووقع الطلاق الثلاث عند أبي حنيفة ، وعندهما يقع ثنتان . وعن أبي يوسف واحدة وهو قول زفر ، فكان أبا حنيفة يرى توقف صحة الأولى إلى أن يظهر أنه مستغرق أولا ، وهما يريان اقتصار صحته على الأولى ، وزفر يرى اقتصاره على الأولى والثانية ، وقول أبي حنيفة أوجه لأن الصدر متوقف على الإخراج . ولو قال : طالق واحدة وواحدة وواحدة إلا ثلاثا بطل الاستثناء اتفاقا لعدم تعدد يصح معه إخراج شيء .

ولو قال : واحدة وثنتين إلا ثنتين أو اثنتين وواحدة إلا اثنتين يقع الثلاث ، وكذا ثنتين وواحدة إلا واحدة ، لأنه في الأولين إخراج الثنتين من الثنتين أو الواحدة ، وفي الثالثة واحدة من واحدة فلا يصح ، بخلاف ما لو قال طالق واحدة وثنتين إلا واحدة حيث تطلق ثنتين لصحة إخراج الواحدة من الثنتين . والأصل أن الاستثناء إنما ينصرف إلى ما يليه ، وإذا تعقب جملا قيد الأخيرة منها ، وكما قيدنا بطلان المستغرق بما إذا كان بلفظ الصدر أو مساويه كذلك يجب تقييده بما إذا لم يكن بعد المستغرق استثناء آخر يكون جبرا للصدر ، فإن كان صح ، فإنه ذكر في فتاوى الولوالجي : لو قال : أنت طالق ثلاثا إلا ثلاثا إلا واحدة طلقت واحدة .

واعلم أنه إذا تعدد الاستثناء بلا واو كان الكل إسقاطا مما يليه ، فيلزم أن كل فرد إسقاط من الصدر وكل شفع جبر له ، فإذا قال : طالق ثلاثا إلا اثنتين إلا واحدة كان الواقع ثنتين لأنك أسقطت من الثلاث ثنتين أولا فصار الحاصل واحدة ، ثم أسقطت من الساقط من الصدر واحدة فجبر بها الصدر فصار الباقي ثنتين ، فقد أخرج من الثلاث المستثناة واحدة فصارت ثنتين ثم أخرجهما من الثلاث الصدر فصار الباقي واحدة ، وهذا بناء على أن الثلاث المستثناة من الثلاث لم تبطل بل تتوقف إلى أن يظهر استثناء منها فيصح أولا فيبطل والله أعلم .

وأصل صحة الاستثناء من الاستثناء قوله تعالى { إلا آل لوط إنا لمنجوهم أجمعين إلا امرأته } ومن فروعها المعروفة له علي عشرة إلا تسعة إلا ثمانية إلا سبعة إلا ستة إلا خمسة إلا أربعة إلا ثلاثة إلا ثنتين إلا واحدة تلزمه خمسة . ولو قال ثنتين وأربعا إلا ثلاثا يقع [ ص: 144 ] الثلاث ذكره القدوري . وأصله أن الاستثناء تصرف في اللفظ أولا ، ويستتبع الحكم على ذلك التقدير لا في الحكم ابتداء ، فلو أوقع أكثر من الثلاث ثم استثنى كان الاستثناء من الكل ، ولهذا لو قال : أنت طالق أربعا إلا ثلاثا تقع واحدة ، أو عشرة إلا تسعة طلقت واحدة ، أو خمسا إلا واحدة يقع الثلاث .

وفي المنتقى : طالق ثلاثا وثلاثا إلا أربعا فهي ثلاث عند أبي حنيفة وزفر لأنه يصير قوله وثلاثا فاصلا لغوا فاستثنى الأكثر فيقع الكل . وعند أبي يوسف يقع ثنتان وهو الظاهر من قول محمد كأنه قال : ستا إلا أربعا . وما ذكر شيخ الإسلام أنه ينوي ، فإن قال عنيت ثنتين من الثلاث الأول وثنتين من الثلاث الأخيرة يصح الاستثناء ، وإلا فلا خارج عن قانون الاستثناء ولم يذكر النية ، كذلك الحلواني في هذه المسألة ولا في المنتقى .

ولو قال : طالق ثلاثا إلا واحدة أو ثنتين طولب بالبيان ، فإن مات قبله طلقت واحدة في رواية ابن سماعة عن أبي يوسف وهو قول محمد وهو الصحيح ، وفي رواية أخرى ثنتان ، وما قيل إن هذه الرواية تناسب أصل أبي يوسف ، يعني في منع إخراج الأكثر فمما لا ينبغي لأن تلك رواية عنه لا ظاهر مذهبه . نعم هذه الرواية تناسب تلك الرواية . وجه الصحيح أنه وقع الشك في الثانية فلا يقع بالشك فتقع واحدة . .



[ فرع ]

إخراج بعض التطليقة لغو بخلاف إيقاعه . فلو قال : طالق ثلاثا إلا نصف تطليقة وقع الثلاث وهو قول محمد وهو المختار ، وقيل على قول أبي يوسف : ثنتان لأن التطليقة لا تتجزأ في الإيقاع فكذا في الاستثناء فكأنه قال إلا واحدة . والجواب أن في الإيقاع إنما لا يتجزأ لمعنى في الموقع وهو لم يوجد في الاستثناء فيتجزأ فيه فصار كلامه عبارة عن تطليقتين ونصف فتطلق ثلاثا



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث