الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
[ ص: 510 ] ولو شهدا بعد موته أنه قال في صحته أحدكما حر فقد قيل : لا تقبل لأنه ليس بوصية . وقيل تقبل للشيوع هو الصحيح والله أعلم .

[ ص: 511 ]

التالي السابق


( قوله ولو شهدا بعد موته أنه قال في صحته أحدكما حر ) لا رواية فيه عن أبي حنيفة . واختلف المشايخ في تفريعها على قوله ( فقيل لا تقبل لأنه ليس بوصية ) لإسنادهما العتق المنجز إلى حالة الصحة ، فلم يكن الميت مدعيا تقديرا ( وقيل تقبل ) لأن العتق شاع بعد الموت فيصح دعواهما كما ذكرنا ، وصحح فخر الإسلام في شرح الجامع الصغير قبولها قال : لجواز أن يكون الحكم معلولا بعلتين فيتعدى بإحداهما ، وتبعه صاحب الكافي وقال هو الأصح .

ولقائل أن يقول : شيوع العتق الذي هو مبنى صحة كون العبدين مدعيين يتوقف على ثبوت قوله أحدكما حر ولا مثبت له إلا الشهادة وصحتها متوقفة على الدعوى الصحيحة من الخصم فصار ثبوت شيوع العتق متوقفا على ثبوت الشهادة ، فلو أثبتت الشهادة بصحة خصومتهما وهي المتوقفة على ثبوت العتق فيهما شائعا لزم الدور ، وإذا لم يتم وجه ثبوت هذه الشهادة على قوله لزم ترجيح القول بعدم قبولها وعلى هذا يبطل الوجه الثاني من وجهي الاستحسان في المسألة التي قبل هذه .



[ ص: 511 ] فروع ]

شهدا أنه حرر أمة بعينها وسماها فنسيا اسمها لا تقبل لأنهما لم يشهدا بما تحملاه وهو عتق معلومة بل مجهولة ، وكذا الشهادة على طلاق إحدى زوجتيه وسماها فنسياها . وعند زفر تقبل ويجبر على البيان ويجب أن يكون قولهما كقول زفر في هذه لأنها كشهادتهما على عتق إحدى أمتيه وطلاق إحدى زوجتيه ، ولو شهد أنه أعتق عبده سالما ولا يعرفون سالما وله عبد واحد اسمه سالم عتق لأنه كان معينا لما أوجبه ، وكون الشهود لا يعرفون عين المسمى لا يمنع قبول شهادتهم ، كما أن القاضي يقضي بالعتق بهذه الشهادة وهو لا يعرف العبد ، بخلاف ما لو شهدوا ببيعه ، ولو كان له عبدان كل واحد اسمه سالم والمولى يجحد لم يعتق واحد منهما في قول أبي حنيفة لأنه لا بد من الدعوى لقبول هذه الشهادة عنده ، ولا تتحقق هنا من المشهود له لأنه غير معين منهما فصارت كمسألة الكتاب الخلافية . .



[ وهذا فصل في الشهادة على العتق ] إذا ادعى العبد العتق وأقام شاهدا لا يحال بينه وبين المولى ، وفي الأمة إذا قالت : شاهدي الآخر حاضر يحال ، ولو أقام العبد شاهدين إن كان المولى مخوفا على العبد حيل بينهما حتى ينظر في أمر الشهود لأن الحجة تمت ظاهرا حتى لو قضي بشهادتهما نفذ فثبتت به الحيلولة احتياطا بخلاف ما إذا أقام شاهدا واحدا شهدا بعتق عبده واختلفا في الوقت أو المكان أو اللفظ أو اللغة أو شهد أحدهما أنه أعتقه والآخر أنه أقر أنه أعتقه فالشهادة جائزة لأن العتق قول يعاد ويكرر فلا يلزم اختلاف المشهود به اختلاف الشهادة فيما ذكرنا ، بخلاف ما لو شهد أحدهما أنه أعتقه والآخر أنه وهبه نفسه لاختلاف المشهود به وضعا ; لأن الهبة تمليك والإعتاق إحداث القوة أو إزالة الملك ، كذا في المبسوط ، فيحمل ما ذكر قبله من أن اختلافهما في اللفظ لا يمنع على ما إذا كان مؤدى اللفظين واحدا وضعا .

ولا يخفى أن التعليل الذي علل به لقبولها عند الاختلاف لفظا من أن العتق لفظ يعاد ويكرر يقتضي أنهما إذا اختلفا في أنه أعتقه أو وهبه لنفسه أنه يقبل ، ولو اختلفا في الشرط الذي علق به العتق فأحدهما جعله كلام زيد والآخر الدخول مثلا لم يجز ، إذ لا يتمكن القاضي من القضاء بواحد من الشرطين ، ولو اتفقا على أنه الدخول مثلا وقال المولى بل كلام فلان فأيهما فعل فهو حر لثبوت الدخول شرطا بالشهادة والكلام بقول المولى .

ولو شهد أحدهما أنه أعتقه بجعل والآخر بغير جعل لم تجز لأن العتق بجعل يخالف العتق بغير جعل في الأحكام ، وكذا لو اختلفا في مقدار الجعل والمولى ينكر الجعل سواء ادعى العبد أقل المالين أو أكثرهما . ولو كان المولى يدعي أقل المالين والعبد ينكر عتق لإقرار المولى بحريته ولا شيء عليه لإكذابه أحد شاهديه وهو الذي يشهد له بالأكثر ، وإن ادعى العتق بألف درهم وخمسمائة وأحدهما يشهد بألف والآخر بألف وخمسمائة قضي عليه بألف لأن الشهادة لا تقوم هنا على العتق لأن العبد عتق بإقرار المولى وإنما تقوم على المال ، ومن ادعى ألفا وخمسمائة وشهد له شاهد بألف والآخر بألف وخمسمائة يقضى بألف لاتفاقهما على الألف لفظا ومعنى ، بخلاف الألف والألفين كما سيأتي في الشهادات إن شاء الله تعالى .

ولو شهد أنه أعتقه إن كلم زيدا والآخر إن دخل بأيهما فعل عتق لثبوت كل من التعليقين بحجة تامة .



ولو تعارضت بينتا العبد والمولى في مقدار ما أعتقه رجحت بينة المولى لإثباتها الزيادة ، بخلاف ما لو أقام العبد البينة على أنه قال : إن أديت إلي ألفا فأنت حر وأنه [ ص: 512 ] أداها وأقام المولى أنه إنما قال إذا أديت إلي ألفين

إلخ فالعبد حر لا شيء عليه لأنه أثبت ببينته تنجز الحرية فيه . ولو أقام العبد بينة أنه باعه نفسه بألف وأقام المولى أنه باعه نفسه بألفين كانت البينة بينة المولى لأن العتق تنجز بالقبول فكان إثبات الزيادة في بينة المولى . قال في الأصل : ولو باعه نفسه بألف فأداها من مال المولى كان حرا وللمولى أن يرجع عليه بمثلها .

قال في المبسوط : العتق هنا حصل بالقبول لا بأداء المال ، وإنما يتحقق هذا الفصل فيما إذا علقه بالأداء لأن نزول العتق بوجود الشرط وقد وجد وإن كان المؤدى مسروقا أو مغصوبا من المولى ثم رد هذا المال على المولى وإن كان مستحقا عليه فيقع عن الوجه المستحق في الحكم ويكون له أن يرجع عليه بمثله .



وإذا رجع شهود العتق بعد القضاء به لم يبطل العتق لأنهما لا يصدقان في إبطال الحكم ولا في إبطال حق العبد ، ولكنهما يضمنان قيمة ما أتلفا من ماليته على المولى إذ قد اعترفا بالرجوع أنهما أتلفا ماليته على المولى بغير حق . ولو ضمنا ثم قامت بينة غيرهم بأن المولى كان أعتقه إن شهدوا أنه أعتقه بعد شهادة هؤلاء لم يسقط عنهم الضمان بالاتفاق لأنهم شهدوا بما هو لغو وعتق بقضاء القاضي والمعتق لا يعتق ، وإن شهدوا أنه أعتقه قبل شهادتهم لم يرجعوا بما ضمنوا عند أبي حنيفة ، وفي قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله يرجعون على المولى بما ضمنوا ، وهذا بناء على ما بينا أن عندهما الشهادة على عتق العبد تقبل من غير دعوى فتثبت بشهادة الفريق الثاني حرية العبد من الوقت الذي شهدوا به وإن لم يكن ثمة مدع لذلك ، وتبين به أن الفريق الأول لم يتلفوا على المولى شيئا بشهادتهم ، وأنه أخذ منهم بغير حق ، وعنده لا تقبل بلا دعوى ولا مدع لما شهد به الفريق الثاني ، فإن العبد حكم بحريته فلا يمكنه أن يدعي العتق ، والله أعلم .




الخدمات العلمية