الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
( وإن أطعم مسكينا واحدا ستين يوما أجزأه ، وإن أعطاه في يوم واحد لم يجزه إلا عن يومه ) لأن المقصود سد خلة المحتاج والحاجة تتجدد في كل يوم ، فالدفع إليه في اليوم الثاني كالدفع إلى غيره ، وهذا في الإباحة من غير خلاف . وأما التمليك من مسكين واحد في يوم واحد بدفعات ، فقد قيل لا يجزئه ، وقد قيل يجزئه لأن الحاجة إلى التمليك تتجدد في يوم واحد ،

[ ص: 272 ] بخلاف ما إذا دفع بدفعة واحدة ، لأن التفريق واجب بالنص .

التالي السابق


( قوله وإن أطعم مسكينا واحدا ستين يوما أجزأه ) وقال مالك والشافعي : وهو الصحيح من مذهب أحمد لا يجزيه ، وهو قول أكثر العلماء لأنه تعالى نص على ستين مسكينا ، وبتكرر الحاجة في مسكين واحد لا يصير هو ستين فكان التعليل بأن المقصود سد خلة المحتاج إلى آخر ما ذكر مبطلا لمقتضى النص فلا يجوز ، وأصحابنا أشد موافقة لهذا الأصل ولذا قالوا في المسألة الآتية عن قريب وهي ما إذا ملك مسكينا واحدا وظيفة ستين بدفعة واحدة لا يجوز ، لأن التفريق واجب بالنص فيكون المدفوع كله عن وظيفة واحدة ، كما إذا رمى الجمرات السبع بمرة واحدة تحتسب عن رمية واحدة مع أن تفريق الدفع غير مصرح به ، وإنما هو مدلول التزامي لعدد المساكين ستين ، فالنص على العدد أولى لأنه المستلزم ، وغاية ما يعطيه كلامهم أن بتكرر الحاجة يتكرر المسكين حكما فكان تعددا حكما ، وتمامه موقوف على أن ستين مسكينا مراد به الأعم من الستين حقيقة أو حكما ، ولا يخفى أنه مجاز فلا مصير إليه إلا بموجب .

فإن قلت : المعنى الذي باعتباره يصير اللفظ مجازا ويندرج فيه التعدد الحكمي ما هو ؟ قلت : هو الحاجة بكون ستين مسكينا مجازا عن ستين حاجة ، وهو أعم من كونها حاجات ستين أو حاجات واحد إذا تحقق تكررها ، إلا أن الظاهر إنما هو عدد ومعدوده ذوات المساكين مع عقلية أن العدد مما يقصد لما في تعميم الجميع من بركة الجماعة وشمول المنفعة واجتماع القلوب على المحبة والدعاء ( قوله وهذا ) أي عدم الإجزاء المدلول عليه بقوله لم يجزه إلا عن يومه [ ص: 272 ] يعني إذا دفع ستين مرة لواحد في يوم بطريق الإباحة لا يجوز من غير خلاف ، لأنه قبل تجدد الحاجة بتجدد اليوم الثاني فكان إطعام الطاعم .

أما لو كانت المرات تمليكات في اليوم الواحد اختلف فيه ، قيل لا يجوز أيضا إلا عن يومه ذلك ، وصححه في المحيط لأن المجوز سد الخلة وقد اندفعت حاجة الطعم في ذلك اليوم بصرف ما يقوم مقامه فالصرف إليه بعده في يومه إطعام الطاعم فلا يجوز كما لو كان إطعاما حقيقة ، وكالدفع إلى الغني بخلاف الدفع في كفارة أخرى ودفع غيره من كفارة مثلها لأن المدفوع كالهالك بالنسبة إليهما . فإن قيل : لو كسا مسكينا واحدا عشرة أثواب في عشرة أيام يجوز لتفرق الدفع مع عدم تجدد الحاجة إلى الثوب بتجدد اليوم . قلنا : تجدد الحاجة إلى الثوب يختلف باختلاف أحوال الناس ، ولا يمكن تعليق الحكم في الثوب بغير الحاجة إليه فأقيم مضي الزمان مقامها لأنها به تتجدد ، وأدنى ذلك يوم لجنس الحاجات وما دونه ساعات لا يمكن ضبطها .

وقيل يجزئه لأن التمليك لما أقيم مقام حقيقة الإطعام وفرغ من ذلك نظر إليه من حيث إنه تمليك ، والحاجة بطريق التمليك ليس لها نهاية فكان المدفوع أولا هالكا بالنسبة إلى المدفوع ثانيا كما هو هالك بالنسبة إلى دافع آخر وكفارة أخرى ، وحينئذ فلا معنى لاشتراط زمان آخر لتجدد الحاجة إذ الحال قيامها ، وربما يشعر اقتصار المصنف بعد حكاية القولين على توجيه هذا القول باختياره إلا أن الأول أحوط .

ونكتة جوابه منع كون التمليك لما أقيم مقام الإطعام اعتبر ذاته من حيث هو تمليك بل يجب اعتباره من حيث هو إطعام ، لأنه لما أقيم مقام الشيء اعتبرت فيه أحكام ذلك الشيء ، وأما ما نعتقده فعدم جواز التمليك كالإطعام لواحد ولو في اليوم الثاني لما فيه من مصادمة النص بالمعنى مع أنه معنى معارض بمعنى آخر وهو ما ذكرناه




الخدمات العلمية