الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
( وإذا وصف الطلاق بضرب من الشدة أو الزيادة كان بائنا مثل أن يقول : أنت طالق بائن أو ألبتة ) وقال الشافعي : يقع رجعيا إذا كان بعد الدخول بها لأن الطلاق شرع معقبا للرجعة فكان وصفه بالبينونة خلاف المشروع فيلغو كما إذا قال : أنت طالق على أن لا رجعة لي عليك . ولنا أنه وصفه بما يحتمله لفظه ; ألا ترى أن البينونة قبل الدخول بها وبعد العدة تحصل به فيكون هذا الوصف لتعيين أحد المحتملين ، [ ص: 50 ] ومسألة الرجعة ممنوعة فتقع واحدة بائنة إذا لم تكن له نية أو نوى الثنتين . أما إذا نوى الثلاث فثلاث لما مر من قبل ، ولو عنى بقوله : أنت طالق واحدة وبقوله بائن أو ألبتة أخرى تقع تطليقتان بائنتان لأن هذا الوصف يصلح لابتداء الإيقاع ( وكذا إذا قال : أنت طالق أفحش الطلاق ) لأنه إنما يوصف بهذا الوصف باعتبار أثره وهو البينونة في الحال فصار كقوله بائن ، وكذا إذا قال أخبث الطلاق ( أو أسوأه لما ذكرنا ، وكذا إذا قال طلاق الشيطان [ ص: 51 ] أو طلاق البدعة ) لأن الرجعي هو السني فيكون قوله : البدعة وطلاق الشيطان بائنا . وعن أبي يوسف في قوله : أنت طالق للبدعة أنه لا يكون بائنا إلا بالنية لأن البدعة قد تكون من حيث الإيقاع في حالة حيض فلا بد من النية . وعن محمد أنه إذا قال : أنت طالق للبدعة أو طلاق الشيطان يكون رجعيا لأن هذا الوصف قد يتحقق بالطلاق في حالة الحيض فلا تثبت البينونة بالشك ( وكذا إذا قال : كالجبل ) لأن التشبيه به يوجب زيادة لا محالة وذلك بإثبات زيادة الوصف ، وكذا إذا قال : مثل الجبل لما قلنا ، وقال أبو يوسف : يكون رجعيا لأن الجبل شيء واحد فكان تشبيها به في توحده

التالي السابق


( قوله وإذا وصف الطلاق بضرب من الشدة أو الزيادة كان بائنا مثل أن يقول : أنت طالق بائن أو ألبتة . وقال الشافعي : يقع رجعيا إذا كان بعد الدخول ) وبقوله قال مالك وأحمد ; لأن الطلاق شرع معقبا للرجعة فكان وصفه بالبينونة خلاف المشروع فيلغو لأنه تغيير المشروع فصار كسلام من عليه السهو بقصد القطع لا يعمل قصده ويجب عليه سجود السهو ، وكقوله : وهبتك على أن يثبت ملكك قبل القبض أو طالق على أن لا رجعة لي عليك .

ولنا أنه وصف الطلاق بما يحتمله وهو البينونة فإنه يثبت به البينونة قبل الدخول في الحال ، وكذا عند ذكر المآل وبعده بعد العدة فيقع واحدة بائنة إذا لم تكن له نية أو نوى الثنتين ، أما إذا نوى الثلاث فثلاث لما مر من أن اسم الواحدة لا يحتمل العدد المحض ، ولو سلم فالفرق أن لا رجعة تصريح بنفي المشروع ، وفي مسألتنا وصفه بالبينونة ولم ينف الرجعة صريحا بل يلزم ضمنا .

ويرد عليه أنه لو احتمل البينونة لصحت إرادتها بطالق وتقدم في إيقاع الطلاق عدم صحتها . وأجيب بأن عمل النية في الملفوظ لا في غيره ، ولفظ " بائن " ما صار ملفوظا بالنية ، بخلاف طالق بائن ، وفيه نظر إذ ليس معنى عمل النية في الملفوظ إلا توجيهه إلى بعض محتملاته ، فإذا فرض للفظ ذلك صح عمل النية فيه ، وقد فرض بطالق ذلك فتعمل فيه النية ، ولا تكون عاملة بلا لفظ بل ربما يعطي هذا الجواب افتقار " طالق بائن " في وقوع البينونة إلى النية وليس كذلك وإن قلنا في الجواب عدم صحة النية ليس لعدم الاحتمال بل لأنه قصد تنجيز ما علقه الشرع بانقضاء العدة ، وبه علله المصنف هناك . ورد عليه أن تغيير المشروع كما منع من صحة النية يجب أن يمنع من صحة اللفظ إذا كان مغيرا . نعم لو كانت البينونة بلفظ " بائن " على أنه وصف للمرأة " كطالق " لا وصف لطالق ، لكن ذلك منتف لأنه إذا عناها وصفا للمرأة تقع ثنتان ، وهو ما ذكره المصنف بقوله : ولو عنى بأنت [ ص: 50 ] طالق واحدة وبقوله بائن أو ألبتة أخرى تقع تطليقتان بائنتان ، على أن التركيب خبر بعد خبر لأن هذا الوصف يصلح لابتداء الإيقاع ، ولو أمكن أن يقال : الإيقاع ببائن وصفا لها وطالق قرينته فاستغنى به عن النية فلم يحتج إليها كما يحتاج إلى النية لو أفرد لم يبعد لكن فيه ما فيه ، ثم بينونة الأولى ضرورة بينونة الثانية ، إذ معنى الرجعي كونه بحيث يملك رجعتها وذلك منتف باتصال البائنة الثانية فلا فائدة في وصفها بالرجعية . وكل كناية قرنت بطالق يجري فيها ذلك فيقع ثنتان بائنتان ( قوله : وكذا إذا قال : أنت طالق أفحش الطلاق ) معطوف على أنت طالق بائن في الأحكام الأربعة ، وقوع الواحدة بائنة إذا لم ينو شيئا أو نوى ثنتين والثلاث بالنية . ولو عنى بطالق واحدة وبأفحش الطلاق أخرى يقع ثنتان . وإنما وقع البائن لأنه أي الطلاق إنما يوصف بهذا الوصف باعتبار أثره وهو قطع النكاح في الحال في البائن ومؤجلا بالانقضاء في الرجعي .

وأفعل للتفاوت وهو يحصل بالبينونة فإنه أفحش مما يثبت به مؤجلا : أعني الرجعي فصار كقوله بائن ، وكذا إذا قال أخبث الطلاق أو أسوأه . أو أشره أو أخشنه أو أكبره أو أغلظه وأطوله وأعرضه وأعظمه كلها مثل أفحشه ، وسنذكر جواب أنه لم لم يقع ثلاث ، وكذا طلاق الشيطان أو طلاق البدعة يقع به واحدة بائنة بلا نية لأن الرجعي هو السني فيكون البدعي وطلاق الشيطان هو البائن ، وفي عبارته تساهل إذ ليس الرجعي هو السني بل أعم ; لأنه لو طلقها في الحيض كان رجعيا وليس سنيا . [ ص: 51 ] وعن أبي يوسف في قوله : أنت طالق للبدعة لا يكون بائنا إلا بالنية لأن البدعة قد تكون من حيث الإيقاع في الحيض كما تكون بالبينونة فلا بد من النية . ولو قال أقبح الطلاق ، فعند أبي يوسف رجعي لاحتماله القبح الشرعي والطبيعي بأن يطلقها في وقت يكره فيه الطلاق طبعا ، كذا ذكر ، وكأنه الطهر الخالي عن الجماع فتجتمع الكراهة الطبيعية والشرعية ، أو يراد وقت تتفتى نفرة الطباع فيه عن الطلاق ، وعند محمد بائن حملا له على المنهي عنه

( قوله : وعن محمد أنه إذا قال : أنت طالق للبدعة أو طلاق الشيطان يكون رجعيا ) لما ذكرنا في وجه الرواية عن أبي يوسف ( قوله : وكذا إذا قال كالجبل ) لأن التشبيه بالجبل يوجب زيادة العظم فتحصل بإثبات زيادة الوصف البينونة ( وكذا إذا قال : مثل الجبل لما قلنا ، وقال أبو يوسف : يكون رجعيا لأن الجبل شيء واحد فكان التشبيه في توحده ) يعني يمكن ذلك فلا تثبت البينونة بالشك . قلنا المعروف الذي هو كالصريح أن التشبيه بالجبل إنما يراد في الثقل أو العظم فيثبت المشتهر قضية للفظ وتتوقف الوحدة على النية بينه وبين الله تعالى ، أما القاضي فلا يصدقه فيها .




الخدمات العلمية