الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
( وإن كان المولي مريضا لا يقدر على الجماع أو كانت مريضة أو رتقاء أو صغيرة لا تجامع أو كانت بينهما مسافة لا يقدر أن يصل [ ص: 206 ] إليها في مدة الإيلاء ففيؤه أن يقول بلسانه فئت إليها في مدة الإيلاء ، فإن قال ذلك سقط الإيلاء ) وقال الشافعي : لا فيء إلا بالجماع وإليه ذهب الطحاوي ، لأنه لو كان فيئا لكان حنثا . ولنا أنه آذاها بذكر المنع فيكون إرضاؤها [ ص: 207 ] بالوعد باللسان ، وإذا ارتفع الظلم لا يجازى بالطلاق ( ولو قدر على الجماع في المدة بطل ذلك الفيء وصار فيؤه بالجماع ) لأنه قدر على الأصل قبل حصول المقصود بالحلف .

التالي السابق


( قوله وإن كان المولي مريضا لا يقدر على الجماع ) لا فرق بين كون عدم العذر للمرض أو للجب ، كما أنه في حقها لا فرق بين كون المانع مرضها أو الرتق أو القرن ، ومن الناس من منع إيلاء المجبوب ، ومن الرتقاء والقرناء لأنه لا يجب عليه الجماع فلا ظلم . وجوابه ما قلنا في المطلقة الرجعية ، ولأن هذا تعليل فيه إبطال حكم النص ، وذلك باطل ، وفي جوامع الفقه : لو عجز عن جماعها لرتقها أو قرنها أو صغرها أو بالجب أو العنة أو كان أسيرا في دار الحرب أو لكونها ممتنعة أو كانت في مكان لا يعرفه وهي ناشزة أو بينهما أربعة أشهر أو حال القاضي [ ص: 206 ] بينهما لشهادة الطلاق الثلاث ففيؤه باللسان بأن يقول فئت إليها أو رجعت عما قلت أو راجعتها أو ارتجعتها أو أبطلت إيلاءها . واختلف في الحبس صحح الفيء باللسان بسببه في البدائع .

وفي شرح الطحاوي : لو آلى وهي مجنونة أو وهو محبوس أو كان بينهما أقل من أربعة أشهر إلا أن السلطان يمنعه أو العدو لا يكون فيؤه باللسان ، وهو جواب الرواية نص عليه الحاكم في الكافي . ووفق بحمل ما في الكافي وشرح الطحاوي على إمكان الوصول إلى السجن بأن تدخل عليه فيجامعها ومنع السلطان والعدو نادر على شرف الزوال والحبس بحق لا يعتبر في الفيء باللسان وبظلم يعتبر ، وهل يكفي الرضا بالقلب من المريض ؟ قيل نعم حتى إن صدقته كان فيئا ، وقيل لا وهو أوجه . ثم هذا إن كان عاجزا من وقت الإيلاء إلى أن تمضي أربعة أشهر حتى لو آلى منها وهو قادر فمكث قدر ما يمكنه جماعها ثم عرض له العجز بمرض أو بعد مسافة أو حبس أو جب أو أسر ونحو ذلك ، أو كان عاجزا حين آلى وزال العجز في المدة لم يصح فيؤه باللسان خلافا لزفر في غير الأخيرة فإن العجز ثابت وهو المدار .

قلنا لما تمكن ولم يفعل فقد تحقق منه الإضرار فلا يكون فيؤه إلا بإيفاء حقها بالجماع ، بخلاف ما إذا استوعب العجز المدة لأنه لم يكن لها حق فيها فكان ظلمه في الإيلاء بأذى اللسان ففيؤه الذي هو توبته بتطييب قلبها به لأن التوبة على حسب الجناية ، ولو آلى إيلاء مؤبدا وهو مريض فبانت بمضي المدة ثم صح وتزوجها وهو مريض ففاء بلسانه لم يصح عند أبي حنيفة ومحمد وصح عند أبي يوسف ، وهو الأصح على ما قالوا لأن الإيلاء وجد منه وهو مريض وعاد حكمه وهو مريض ، وفي زمان الصحة هي مبانة لا حق لها في الوطء فلا يعود حكم الإيلاء فيه ، وهما يقولان إن ذلك بتقصير منه فإنه كان عليه الفيء باللسان قبل مضي المدة ولا تبين ، ولو كان المانع شرعيا بأن كان محرما وإلى وقت أفعال الحج أربعة أشهر فصاعدا فالفيء بالجماع .

وعند زفر باللسان ، وهو رواية عن أبي يوسف لأن الإحرام مانع من الجماع شرعا فثبت العجز فكان فيؤه باللسان وهم اعتبروا العجز الحقيقي وهو منتف ، وهذا لأنه المتسبب باختياره بطريق محظور فيما لزمه فلا يستحق تخفيفا ( قوله وقال الشافعي : لا فيء إلا بالجماع وإليه ذهب الطحاوي لأنه لو كان فيئا لكان حنثا ) وضعف هذا لا يخفى على من له شمة لأنه حلف على الجماع فكيف يحنث بفعل غيره ، فإن [ ص: 207 ] أراد بقوله لو كان فيئا لكان حنثا لأن الفيء لا يكون إلا بالجماع ، فلو كان فيئا لكان بالجماع فكان حنثا لزم صريح المصادرة والنص وهو قوله تعالى { فإن فاءوا } لا يوجب تعين كون الفيء لا الجماع لأن معناه فإن رجعوا عن عزمهم على ذلك الظلم ، وذلك يحصل بإرضائها بالجماع وبإرضائها بالقول ، ووعد الجماع عند عجزه وهي مشاهدة لعجزه ذلك فلا يتم ما قالاه . والحق أن مذهب الشافعي ومالك وأحمد كقولنا : ولو وطئها بعد الفيء باللسان في مدة الإيلاء لزمه كفارة لتحقق الحنث لأن يمينه باقية في حق الحنث وإن بطلت في حق الطلاق ( قوله وصار فيؤه بالجماع ) حتى لو لم يجامعها حتى مضت المدة وقع الطلاق ، وهذا لأن المقصود عدم وقوع الطلاق عند تمام المدة ، وهذا فرع تمامها ولم تتم حتى قدر على الأصل وهو الجماع قبل حصول المقصود من البدل فيبطل حكم الخلف كالمتيمم إذا رأى الماء




الخدمات العلمية