الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب الإيلاء

جزء التالي صفحة
السابق

( وإذا قال لامرأته أنت علي حرام سئل عن نيته ) ، فإن قال أردت الكذب فهو كما قال لأنه نوى حقيقة كلامه ، وقيل لا يصدق في القضاء [ ص: 208 ] لأنه يمين ظاهرا ( وإن قال أردت الطلاق فهي تطليقة بائنة إلا أن ينوي الثلاث ) وقد ذكرناه في الكنايات ( وإن قال أردت الظهار فهو ظهار ) وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف . وقال محمد : ليس بظهار لانعدام التشبيه بالمحرمة وهو الركن فيه . ولهما أنه أطلق الحرمة وفي الظهار نوع حرمة والمطلق يحتمل المقيد ( وإن قال أردت التحريم أو لم أرد به شيئا فهو يمين يصير به موليا ) [ ص: 209 ] لأن الأصل في تحريم الحلال إنما هو يمين عندنا وسنذكره في الأيمان إن شاء الله . ومن المشايخ من يصرف لفظة التحريم إلى الطلاق من غير نية بحكم العرف ، والله أعلم بالصواب .

التالي السابق


( قوله سئل عن نيته ) هذا هو المذكور في كتب محمد رحمه الله ، وهو جواب الرواية لأن بيان المجمل على المجمل وهو ظاهر الرواية ، وهو قول أبي بكر وعمر وابن مسعود وعائشة والحسن البصري وعطاء وطاوس وابن المسيب وسعيد بن جبير وغيرهم .

وعن علي وزيد بن ثابت وابن عمر وابن أبي ليلى ومالك أن الحرام ثلاثة ، إلا أن مالكا قال ينوي في غير المدخولة . ويروى عن علي رضي الله عنه التوقف ، وفيه نحو أحد عشر مذهبا غير ما ذكرنا ( قوله لأنه نوى حقيقة كلامه ) إذ حقيقته وصفها بالحرمة وهي موصوفة بالحل [ ص: 208 ] فكان كذبا ، وعن هذا قال مسروق والشعبي في التحريم إنه كتحريم قصعة من ثريد ليس بشيء . وأورد لو كان حقيقة كلامه لانصرف إليه بلا نية لكنكم تقولون عند عدم النية ينصرف إلى اليمين .

والجواب أن هذه حقيقة أولى فلا تنال إلا بالنية واليمين الحقيقة الثانية الثابتة بواسطة الاشتهار . وقيل لا يصدق في القضاء ، قاله شمس الأئمة السرخسي ، بل فيما بينه وبين الله تعالى لأنه يمين ظاهرا ، لأن تحريم الحلال يمين بالنص وهو قوله تعالى { يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك } إلى أن قال { قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم } فلا يصدق في القضاء في نيته خلاف الظاهر ، وهذا هو الصواب على ما عليه العمل والفتوى كما سنذكر ، والأول قول الحلواني وهو ظاهر الرواية لكن الفتوى على العرف الحادث .

( قوله إلا أن ينوي الثلاث ) ولا تصح نية الثنتين إلا في الأمة خلافا لزفر والزهري ، ومر في الكنايات والتفصيل فيه بين كون الحالة حالة مذاكرة الطلاق أو لا .

ولو طلق امرأته طلقة ثم قال أنت علي حرام ونوى ثنتين لم يقع شيء ، ولو نوى الثلاث وقعت ثنتان فكملت الثلاث ( قوله وإن قال أردت الظهار فهو ظهار ) وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف ، كذا ذكره القدوري ، وليس مذكورا في ظاهر الرواية ولذا لم يذكره الحاكم الشهيد في مختصره ولا الطحاوي ، وإنما نقله شمس الأئمة عنهما من النوادر خلافا لمحمد . وجه قوله أن الظهار تشبيه المحللة بالمحرمة وهو منتف .

وفي جوامع الفقه نقل عن محمد أنه ظهار إذا نوى به الظهار على ما عرف النقل به عنه ( قوله ولهما أنه أطلق الحرمة إلخ ) حاصله أن الحرمة أعم من الحرمة التي هي ظهار أو لا ، والأعم يحتمل الخصوصيات ، فنية الظهار نية محتمل كلامه لا نية خلاف ظاهره فيصدق قضاء ( قوله وإن قال أردت التحريم أو لم أرد به شيئا فهو يمين يصير به موليا ) ونص في المحيط أنه خلاف قول محمد حيث قال فإن نوى اليمين أو لم ينو شيئا كان يمينا وينصرف إلى الطعام والشراب ولا تدخل امرأته إلا بالنية هكذا قال محمد : ومن مشايخ بلخ من قال : تدخل امرأته بلا نية فتبين وصحح في هذا الزمان .

وسئل نجم الدين عن امرأة قالت لزوجها حلال الله عليك حرام فقال نعم تحرم هذه المرأة على زوجها ؟ قال نعم وكذلك حلال المسلمين . ثم على قول محمد رحمه الله إذا نوى امرأته حتى دخلت لا يخرج الطعام والشراب عن اليمين فيحنث بأي ذلك وجد ، فإذا تناول شيئا من الطعام أو الشراب حنث وانقضى حكم يمينه حتى لو قرب امرأته بعد ذلك لا يحنث ، ولا فرق بين أن يتناول قليلا أو كثيرا ، بخلاف ما إذا حلف لا يأكل هذا الطعام وهو مما يستوفيه واحد لا يحنث ما لم يستوف جميعه ، وكذا لا يدخل اللباس [ ص: 209 ] إلا بالنية .

وإذا دخل لا يخرج الطعام والشراب ، ولو نوى الطعام والشراب فهو كما نوى ، ولو نوى الطلاق في نسائه واليمين في نعم الله تعالى فهو طلاق ويمين ( قوله ومن المشايخ ) هم المتأخرون لما ظهر من العرف في ذلك ، حتى لو قال لامرأته إن تزوجتك فحلال الله علي حرام فتزوجها تطلق ، ولهذا لا يحلف به إلا الرجال ، ولو قالت هي أنا عليك حرام كان يمينا وإن لم تنو ، فلو مكنته حنثت وكفرت وصار كما إذا تلفظ بطلاقها غير ناو تطلق للصراحة والعرف هو الموجب لثبوت الصراحة ، وعن هذا قالوا : لو نوى غير الطلاق لا يصدق في القضاء بل فيما بينه وبين الله تعالى .

قال الأستاذ ظهير الدين المرغيناني : لا أقول لا تشترط النية لكن يجعل ناويا عرفا ، ولا فرق بين قوله أنت علي حرام أو حرمتك علي أو لم يقل علي أو أنت محرمة علي أو لم يقل علي أو أنا عليك حرام أو محرم أو حرمت نفسي عليك . ويشترط قوله عليك في تحريم نفسه ، فلو لم يقله لا تطلق وإن نوى الطلاق ، بخلاف نفسها وقوله أنت معي في الحرام بمنزلة قوله أنت علي حرام .

وفي الفتاوى : لو قال لامرأته أنت علي حرام أو حلال الله علي حرام فهو على ثلاثة أوجه : أما إن كانت له امرأة أو أربع أو لم يكن له امرأة : إن كان له واحدة فقد ذكرنا ، وإن كان له أربع طلقت كل واحدة تطليقة ، وإن لم يكن له امرأة لزمه كفارة يمين ، وعلى فتوى الأوزجندي والإمام مسعود الكشاني يقع واحدة وعليه البيان .

قال في الذخيرة والخلاصة : هو الأشبه . وعندي أن الأشبه ما في الفتاوى لأن قوله حلال الله أو حلال المسلمين يعم كل زوجة ، فإذا كان فيه عرف في الطلاق يكون بمنزلة قوله هن طوالق لأن حلال الله شملهن على سبيل الاستغراق لا على سبيل البدل كما في قوله إحداكن طالق ، وحيث وقع الطلاق بهذا اللفظ وقع بائنا . ولو قال إن فعلت كذا فحلال الله علي حرام ثم قال لامرئ آخر إن فعلت كذا فحلال الله علي حرام ففعل أحدهما حتى وقع طلاق بائن ثم فعل الآخر .

قال الإمام ظهير الدين : ينبغي أن يقع كما لو قال معلقا دون الأول .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث