الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب الظهار

جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 245 ] باب الظهار

التالي السابق


( باب الظهار ) مناسبته بالخلع أن كلا منهما يكون عن النشوز ظاهرا ، وقدم الخلع لأنه أكمل في باب التحريم إذ هو تحريم بقطع النكاح وهذا مع بقائه .

والظهار لغة مصدر ظاهر وهو مفاعلة من الظهر فيصح أن يراد به معان مختلفة ترجع إلى الظهر معنى ولفظا بحسب اختلاف الأغراض ، فيقال ظاهرت : أي قابلت ظهرك بظهره حقيقة ، وإذا غايظته أيضا وإن لم تدابره حقيقة باعتبار أن المغايظة تقتضي هذه المقابلة ، وظاهرته إذا نصرته باعتبار أنه يقال قوى ظهره إذا نصره ، وظاهر من امرأته وأظهر وتظاهر واظاهر وظهر وتظهر إذا قال لامرأته أنت علي كظهر أمي ، وظاهر بين ثوبين إذا لبس أحدهما فوق الآخر على اعتبار جعل ما يلي به كل منهما الآخر ظهرا للثوب ، وغاية ما يلزم كون لفظ الظهر في بعض هذه التراكيب مجازا ، وكونه مجازا لا يمنع الاشتقاق منه ويكون المشتق مجازا أيضا ، وإنما عدي بمن مع أنه يتعدى بنفسه لتضمنه معنى التبعيد لأنه كان طلاقا وهو مبعد ثم قيل : الظهر هنا مجاز عن البطن لأنه إنما يركب البطن فكظهر أمي : أي كبطنها بعلاقة المجاورة ولأنه عموده ، لكن لا يظهر ما هو الصارف عن الحقيقة من النكات . وقيل خص الظهر لأن إتيان المرأة من ظهرها كان حراما ، فإتيان أمه من ظهرها أحرم فكثر التغليظ . وفي الشرع : هو تشبيه الزوجة أو جزء منها شائع أو معبر به عن الكل بما لا يحل النظر إليه من المحرمة على التأبيد ولو برضاع أو صهرية ، وزاد في النهاية قيد الاتفاق احترازا عما لو قال أنت علي كظهر فلانة ، وفلانة أم من زنى بها أو بنتها لم يكن مظاهرا ، وسنذكر ما هو التحقيق إن شاء الله تعالى .

ولا فرق بين كون ذلك العضو الظهر أو غيره مما لا يحل النظر إليه ، وإنما خص باسم الظهار تغليبا للظهر لأنه كان الأصل في استعمالهم وشرطه في المرأة كونها زوجة ، وفي الرجل كونه من أهل الكفارة فلا يصح ظهار الذمي كالصبي والمجنون ، وركنه للفظ المشتمل على ذلك التشبيه ، وحكمه حرمة الوطء ودواعيه إلى وجود الكفارة . واختلف في سبب وجوبها فقال في المنافع : تجب بالظهار والعود لأن الظهار كبيرة فلا يصح سببا للكفارة لأنها عبادة أو المغلب فيها [ ص: 246 ] معنى العبادة ، ولا يكون المحظور سببا للعبادة فعلق وجوبها بهما ليخف معنى الحرمة باعتبار العود الذي هو إمساك فيكون دائرا بين الحظر والإباحة فيصح سببا للكفارة الدائرة بين العبادة والعقوبة . وقيل سبب وجوبها العود ، والظهار شرط ، ولفظ الآية يحتملهما وهي قوله تعالى { والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة } إلى آخره ، فيمكن حمل ترتيبها عليهما أو على الأخير ، لكن إذا أمكن البساطة صير إليها لأنها الأصل بالنسبة إلى التركيب ، فلذا قال في المحيط سبب وجوبها العزم على الوطء ، والظهار شرط وهو بناء على أن المراد من لفظ العود في الآية العزم على الوطء .

واعترض بأن الحكم يتكرر بتكرر سببه لا شرطه ، والكفارة تتكرر بتكرر الظهار لا العزم وكثير من مشايخنا على أنه العزم على إباحة الوطء بناء على إرادة المضاف في الآية : أي يعودون لضد ما قالوا أو لتداركه نزل القول منزلة المقول . ويرد عليه ما يرد على ما قبله ، وهذا بناء على عدم صحة إرادة ظاهرها وهو تكرار نفس الظهار كما قال داود للحديثين اللذين يروونهما فإن ظاهرهما عدم تعلقهما بتكرره ويرد أن بمجرد العزم لا تتقرر الكفارة عندنا كما نص عليه في المبسوط ، حتى لو أبانها أو ماتت بعد العزم لا كفارة عليه قال : فهذا دليل على أنها غير واجبة لا بالظهار ولا بالعود ، إذ لو وجبت لما سقطت بل موجب الظهار ثبوت التحريم ، فإذا أراد رفعه وجب عليه في رفعه الكفارة عندنا كما تقول لمن أراد الصلاة النافلة يجب عليك إن صليتها أن تقدم الوضوء . وعند الشافعي رحمه الله هو سكوته بعد ظهاره قدر ما يمكنه طلاقها .

ورد بأن شرعية الكفارة لرفع الحرمة والجناية ، والظهار لم يوجب تحريم العقد ليكون الإمساك عن طلاقها جناية ، وأيضا فقد يكون الإمساك عن طلاقها ليسعى في أمر الكفارة وتحصيلها أو للتروي في طلاقها أو التكفير فلا يكون مجرده بعد الظهار جناية فلا ينتهض سببا للكفارة .

واعلم أن هذه الحرمة لا ترفع إلا بكفارة لا بملك ولا بزوج ثان ، حتى لو طلقها بعد الظهار ثلاثا فعادت إليه بعد زوج آخر أو كانت أمة وملكها بعد ما ظاهر منها لا يحل قربانها حتى يكفر فيهما ، وللمرأة أن تطالبه بالوطء وعليها أن تمنعه من الاستمتاع بها حتى يكفر ، وعلى القاضي أن يجبره على التكفير دفعا للضرر عنها بحبس ، فإن أبى ضربه ولا يضرب في الديني ، ولو قال قد كفرت صدق ما لم يعرف بالكذب وألفاظه صريح وكناية وستأتي .

وسبب نزول شرعيته { قصة خولة أو خويلة بنت مالك بن ثعلبة قالت ظاهر مني زوجي أوس بن الصامت ، فجئت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أشكو إليه ورسول الله صلى الله عليه وسلم يجادلني فيه ويقول : اتق الله فإنه ابن عمك ، فما برحت حتى نزل القرآن { قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها [ ص: 247 ] وتشتكي إلى الله } إلى الغرض ، فقال : يعتق رقبة ، فقلت لا يجد ، فقال : يصوم شهرين متتابعين ، قلت يا رسول الله إنه شيخ كبير ما به من صيام ، قال : فيطعم ستين مسكينا ، قلت : ما عنده شيء يتصدق به ، قال : فإني أعينه بعرق من تمر ، قلت : يا رسول الله وإني سأعينه بعرق آخر ، قال : قد أحسنت ، قال : فاذهبي فأطعمي بهما عنه ستين مسكينا وارجعي إلى ابن عمك } قال : والعرق ستون صاعا ، رواه أبو داود . وقيل هو مكيال يسع ثلاثين صاعا ، قال أبو داود : وهذا أصح ، وفي الحديث ألفاظ أخر ، ورواه ابن ماجه وغيره



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث