الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب في قوله تعالى رب أرني كيف تحيي الموتى

جزء التالي صفحة
السابق

216 [ ص: 640 ] باب في قوله تعالى : رب أرني كيف تحيي الموتى

وقال النووي : (باب من فضائل إبراهيم الخليل ، عليه السلام ) .

فيه : حديث « أبي هريرة » رضي الله عنه ، وقد تقدم في كتاب الفضائل في : (باب قول إبراهيم عليه السلام : رب أرني كيف تحيي الموتى ، وذكر لوط ويوسف عليهما السلام ) وتقدم هناك شرحه أيضا . ولفظه : (حديث الباب )

(عن أبي هريرة رضي الله عنه ؛ أن رسول الله . صلى الله عليه وآله وسلم ، قال : «نحن أحق بالشك من إبراهيم ، إذ قال رب أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي . قال : ويرحم الله لوطا ، لقد كان يأوي إلى ركن شديد . ولو لبثت في السجن طول ما لبث يوسف : لأجبت الداعي » ) .

التالي السابق


(الشرح)

وهذا الحديث ، شرحه النووي : في الجزء الأول ، في كتاب الإيمان .

قال في (فتح البيان ): قد ذهب الجمهور إلى أن إبراهيم ، لم يكن شاكا في إحياء الموتى قط ، وإنما طلب المعاينة لما جبلت عليه النفوس [ ص: 641 ] البشرية : من رؤية ما أخبرت عنه . ولهذا قال النبي ، صلى الله عليه وآله وسلم : «ليس الخبر كالمعاينة » .

وحكى ابن جرير عن طائفة من أهل العلم : أنه سأل ذلك ، لأنه شك في قدرة الله . واستدلوا بقوله صلى الله عليه وآله وسلم : «نحن أحق بالشك من إبراهيم » ، وبما روي عن ابن عباس ، أنه قال : «ما في القرآن عندي آية أرجى منها » . أخرجه «الحاكم » وصححه . ورجح هذا « ابن جرير » بعد حكايته له . قال ابن عطية : هو عندي مردود - يعني : قول هذه الطائفة - ثم قال : وأما قول النبي ، صلى الله عليه وآله وسلم : «نحن أحق بالشك » ؛ فمعناه : أنه لو كان شاكا ، لكنا نحن أحق به . ونحن لا نشك ، فإبراهيم أحرى أن لا يشك . فالحديث مبني على نفي الشك عن إبراهيم .

وأما قول ابن عباس «هي أرجى آية » ، فمن حيث إن فيها الإدلال على الله ، وسؤال الإحياء في الدنيا - وليست مظنة ذلك - .

ويجوز أن نقول «هي أرجى آية » : لقوله : «أولم تؤمن » ؟ أي : إن الإيمان كاف ، لا يحتاج معه إلى تنقير وبحث .

[ ص: 642 ] قال : «فالشك » يبعد على من ثبتت قدمه بالإيمان فقط . فكيف بمرتبة النبوة ، والخلة ؟ والأنبياء معصومون عن الكبائر ، ومن الصغائر التي فيها رذيلة : «إجماعا » . وإذا تأملت سؤاله عليه السلام ، وسائر الألفاظ للآية : لم تعط شكا . وذلك أن الاستفهام «بكيف » : إنما هو سؤال عن حالة شيء موجود ، متقرر الوجود عند السائل والمسئول . نحو قولك : «كيف علم زيد ؟ » «وكيف نسج الثوب ؟ » ونحو هذا . ومتى قلت : «كيف ثوبك ؟ » «وكيف زيد » : فإنما السؤال عن حال من أحواله . وقد يكون كيف خبرا عن شيء شأنه : أن يستفهم عنه بكيف . نحو قولك : «كيف شئت فكن » . ونحو قول البخاري : «كيف كان بدء الوحي » .

وهي في هذه الآية : استفهام عن هيئة الإحياء ، والإحياء متقرر . ولكن لما وجدنا بعض المنكرين لوجود شيء ، قد يعبرون عن إنكاره : بالاستفهام عن حالة لذلك الشيء يعلم أنها لا تصح ، فيلزم من ذلك : أن الشيء في نفسه : لا يصح . فلما كان في عبارة الخليل ؛ هذا الاشتراك المجازي : خلص الله له ذلك ، وحمله على أن بين له الحقيقة ، فقال له : «أولم تؤمن ؟ » قال : بلى . فكمل الأمر وتخلص من كل شيء . ثم علل «عليه السلام » سؤاله : بالطمأنينة .

قال القرطبي : هذا الذي ذكره «ابن عطية » بالغ . ولا يجوز على الأنبياء مثل هذا الشك ، فإنه كفر . والأنبياء متفقون على الإيمان بالبعث .

[ ص: 643 ] وإذا لم تكن لإبليس عليهم «سلطنة » ، فكيف يشككهم ؟ وإنما سأل أن يشاهد كيفية جمع أجزاء الموتى بعد تفريقها ، وإيصال الأعصاب والجلود بعد تمزيقها . فأراد أن يرقى من علم اليقين : إلى عين اليقين . فقوله : «رب أرني كيف » : طلب مشاهدة الكيفية .

قال الماوردي : وليست الألف في قوله «أولم تؤمن » : ألف استفهام ، وإنما هي ألف إيجاب وتقرير . والواو «واو الحال » .

«وتؤمن » معناه : إيمانا مطلقا ، دخل فيه : فصل إحياء الموتى . «والطمأنينة » : اعتدال ، وسكون . انتهى .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث