الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                              معلومات الكتاب

                                                                                                                              السراج الوهاج من كشف مطالب صحيح مسلم بن الحجاج

                                                                                                                              صديق خان - محمد صديق حسن خان القنوجي الظاهري

                                                                                                                              صفحة جزء
                                                                                                                              1354 باب إنزال القرآن على سبعة أحرف

                                                                                                                              وقال النووي - في الجزء الثاني - (باب بيان أن القرآن ، نزل على سبعة أحرف ، وبيان معناه ) .

                                                                                                                              (حديث الباب )

                                                                                                                              وهو بصحيح مسلم \ النووي ، ص 98 ، 99 ج6 ، المطبعة المصرية

                                                                                                                              (عن عبد الرحمن بن عبد القاري ؛ قال : سمعت عمر بن الخطاب يقول : سمعت هشام بن حكيم بن حزام يقرأ سورة الفرقان -على غير ما أقرؤها- وكان رسول الله ، صلى الله عليه وسلم أقرأنيها . فكدت : أن أعجل عليه . ثم أمهلته ، حتى انصرف . ثم لببته بردائه ، فجئت به رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، فقلت : يا رسول الله ! إني سمعت هذا يقرأ سورة الفرقان : على غير ما أقرأتنيها .

                                                                                                                              فقال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : «أرسله . اقرأ » . فقرأ القراءة التي سمعته يقرأ .

                                                                                                                              [ ص: 615 ] فقال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : «هكذا أنزلت » . ثم قال لي : «اقرأ » فقرأت . فقال : «هكذا أنزلت . إن هذا القرآن ، أنزل على سبعة أحرف ، فاقرءوا ما تيسر منه » ) .


                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                              (الشرح)

                                                                                                                              (عن عمر بن الخطاب ) رضي الله عنه ؛ (قال : سمعت هشام بن حكيم بن حزام ، يقرأ سورة الفرقان - على غير ما أقرؤها - . وكان رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم أقرأنيها . فكدت أن أعجل عليه . ثم أمهلته ، حتى انصرف . ثم لببته بردائه ) بتشديد الباء الأولى ، معناه : أخذت بمجامع ردائه - في عنقه - وجررته به ، مأخوذ من «اللبة » ، بفتح اللام ، لأنه يقبض عليها .

                                                                                                                              وفي هذا : بيان ما كانوا عليه ، من الاعتناء بالقرآن ، والذب عنه ، والمحافظة على لفظه ، كما سمعوه : من غير عدول إلى ما يجوزه العربية .

                                                                                                                              (فجئت به رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم ، فقلت : يا رسول الله ! إني سمعت هذا يقرأ سورة الفرقان : على غير ما أقرأتنيها . فقال رسول [ ص: 616 ] الله ، صلى الله عليه وآله وسلم : «أرسله . اقرأ » فقرأ التي سمعته يقرأ ) .

                                                                                                                              أمر النبي ، صلى الله عليه وآله وسلم عمر : بإرساله ، لأنه لم يثبت عنده ما يقتضي تعزيره ، ولأن عمر ، إنما نسبه إلى مخالفته في القراءة . والنبي صلى الله عليه وآله وسلم ، يعلم من جواز القراءة ووجوهها : ما لا يعلمه عمر . ولأنه إذا قرأ - وهو لبيب - لم يتمكن من حضور البال ، وتحقيق القراءة : تمكن المطلق .

                                                                                                                              (فقال رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم : «هكذا أنزلت » . ثم قال لي : «اقرأ » فقرأت . فقال : «هكذا أنزلت . إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف ، فاقرأوا ما تيسر منه » ) .

                                                                                                                              قال العلماء : سبب إنزاله على سبعة : التخفيف ، والتسهيل . ولهذا قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : «هون على أمتي » ، كما صرح به في الرواية الأخرى .

                                                                                                                              [ ص: 617 ] قال النووي : واختلف العلماء في المراد «بسبعة أحرف » ؛ قال عياض : قيل : هو توسعة وتسهيل ، لم يقصد به الحصر . قال : وقال الأكثرون : هو حصر للعدد في سبعة . ثم قيل : هي سبعة في المعاني (كالوعد ، والوعيد ، والمحكم ، والمتشابه ، والحلال ، والحرام ، والقصص ، والأمثال ، والأمر ، والنهي ) . ثم اختلف هؤلاء في تعيين السبعة .

                                                                                                                              وقال آخرون : هي في أداء التلاوة ، وكيفية النطق بكلماتها : من إدغام ، وإظهار ، وتفخيم ، وترقيق ، وإمالة ، ومد . لأن العرب كانت مختلفة اللغات في هذه الوجوه ، فيسر الله تعالى عليهم ، ليقرأ كل إنسان بما يوافق لغته ، ويسهل على لسانه .

                                                                                                                              وقال آخرون : هي الألفاظ والحروف . وإليه أشار «ابن شهاب » بما رواه مسلم عنه ، في الكتاب . ثم اختلف هؤلاء ؛

                                                                                                                              فقيل : سبع قراءات وأوجه .

                                                                                                                              وقال أبو عبيد : سبع لغات العرب ؛ يمنها ، ومعدها ، وهي أفصح اللغات وأعلاها .

                                                                                                                              وقيل : بل السبعة كلها لمضر وحدها . وهي متفرقة في القرآن ، غير مجتمعة في كلمة واحدة .

                                                                                                                              وقيل : بل هي مجتمعة في بعض الكلمات : كقوله تعالى : [ ص: 618 ] «وعبد الطاغوت » و «نرتع ونلعب » ، «وباعد بين أسفارنا » «وبعذاب بئيس » وغير ذلك .

                                                                                                                              قال الباقلاني : الصحيح أن هذه الأحرف السبعة : ظهرت ، واستفاضت عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وضبطها عنه الأمة ، وأثبتها عثمان والجماعة في المصاحف ، وأخبروا بصحتها . وإنما حذفوا منها : ما لم يثبت متواترا . وأن هذه الأحرف تختلف معانيها تارة ، وألفاظها أخرى . وليست متضادة ، ولا متنافية .

                                                                                                                              وذكر الطحاوي : أن القراءة بالأحرف السبعة : كانت في أول الأمر خاصة للضرورة : لاختلاف لغة العرب ، ومشقة أخذ جميع الطوائف : بلغة . فلما كثر الناس والكتاب ، وارتفعت الضرورة : كانت قراءة واحدة .

                                                                                                                              قال الداودي : وهذه القراءات السبع ، التي يقرأ الناس اليوم بها : ليس كل حرف منها ، هو أحد تلك السبعة . بل تكون مفرقة فيها .

                                                                                                                              وقال ابن أبي صفرة : هذه القراءات السبع : إنما شرعت من حرف واحد ، من السبعة المذكورة في الحديث . وهو الذي جمع عثمان عليه المصحف . وهذا ذكره النحاس وغيره . قال غيره : ولا تمكن القراءة [ ص: 619 ] بالسبع ) المذكورة في الحديث : في ختمة واحدة . ولا يدرى أي هذه القراءات : كان آخر العرض على النبي ، صلى الله عليه وآله وسلم . وكلها : مستفيضة عن النبي ، صلى الله عليه وآله وسلم . ضبطها عنه : الأمة ، وأضافت كل حرف منها إلى من أضيف إليه ، من الصحابة . أي : أنه كان أكثر قراءة به . كما أضيف كل قراءة منها : إلى من اختار القراءة بها ، من القراء السبعة ، وغيرهم .

                                                                                                                              قال المازري : وأما قول من قال : المراد سبعة معان مختلفة ، كالأحكام ، والأمثال ، والقصص : فخطأ ؛ لأنه صلى الله عليه وآله وسلم ، أشار إلى جواز القراءة بكل واحد من الحروف ، وإبدال حرف بحرف . وقد تقرر إجماع المسلمين : أنه يحرم إبدال آية أمثال ، بآية أحكام .

                                                                                                                              قال : وقول من قال : المراد خواتيم الآي «فيجعل مكان غفور رحيم : سميع بصير » : فاسد أيضا ، للإجماع على منع تغيير القرآن للناس . هذا مختصر ما نقله القاضي عياض ، في المسألة . والله أعلم . انتهى كلام النووي .

                                                                                                                              [ ص: 620 ] قلت : والراجح أن المراد بسبعة أحرف : سبع لغات العرب . وبه قال الشوكاني في «إرشاد الفحول ، إلى تحقيق الحق من علم الأصول » ورجحه . وبه قلت في «حصول المأمول ، من علم الأصول » . وبه قال جمع من العلماء الفحول . والله أعلم .




                                                                                                                              الخدمات العلمية