الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

سورة آل عمران باب في قوله تعالى هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات

جزء التالي صفحة
السابق

4817 [ ص: 651 ] سورة آل عمران : باب في قوله تعالى : هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات

وهو في النووي ، في كتاب العلم ، في : (باب النهي عن اتباع متشابه القرآن ، والتحذير من متبعيه ، والنهي عن الاختلاف في القرآن ) .

(حديث الباب )

وهو بصحيح مسلم \ النووي ، ص 217 ج 16 ، المطبعة المصرية

(عن عائشة ؛ قالت : تلا رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولو الألباب .

قالت : قال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : «إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه ، فأولئك الذين سمى الله ، فاحذروهم » ) .


التالي السابق


(الشرح)

(عن عائشة ، رضي الله عنها ، قالت : تلا رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم : [ ص: 652 ] « هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولو الألباب .

قال رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم : «إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه : فأولئك الذين سمى الله عز وجل ، فاحذروهم
» ) .

قال النووي : اختلف المفسرون ، والأصوليون ، وغيرهم - في المحكم والمتشابه - اختلافا كثيرا ؛

قال الغزالي في (المستصفى ): إذا لم يرد توقيف في تفسيره ، فينبغي أن يفسر : بما يعرفه أهل اللغة ، ويناسب اللفظ من حيث الوضع .

ولا يناسبه قول من قال : «المتشابه » : «الحروف المقطعة ، في أوائل السور » ، «والمحكم » : ما سواه .

ولا قولهم : «المحكم » : ما يعرفه الراسخون في العلم ، «والمتشابه ): ما انفرد الله تعالى بعلمه .

ولا قولهم : «المحكم » : الوعد والوعيد ، والحلال والحرام . «والمتشابه » : القصص ، والأمثال . فهذا أبعد الأقوال .

قال : بل الصحيح : أن المحكم يرجع إلى معنيين ؛

أحدهما : المكشوف المعنى ؛ الذي لا يتطرق إليه إشكال واحتمال . «والمتشابه » : ما يتعارض فيه الاحتمال .

[ ص: 653 ] والثاني : أن «المحكم » : ما انتظم ترتيبه ، مفيدا : إما ظاهرا ، وإما بتأويل .

وأما «المتشابه » : فالأسماء المشتركة ، كالقرء ، وكالذي بيده عقدة النكاح ، وكاللمس ؛

فالأول : متردد بين الحيض والطهر .

والثاني : بين الولي والزوج .

والثالث : بين الوطء ، والمس باليد ، ونحوها .

قال : ويطلق على ما ورد في صفات الله تعالى ، مما يوهم ظاهره : الجهة ، والتشبيه ، ويحتاج إلى تأويل . انتهى .

قلت : وليست الصفات الثابتة ، بالكتاب والسنة : من المتشابهات في صدر ولا ورد ، لأنها مفهومة لغة ومعنى . وأما «التشبيه » فيعالج بكلمة إجمالية : «ليس كمثله شيء » . «ولم يكن له كفوا أحد » . وقد تكرر بيانها وتبليغها : على لسان رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم (في مجامع من الناس كثيرة ، وعلى رؤوس الأشهاد : الذين فيهم القروي ، والبدوي ، والطفل ، والمرأة ، والجاهل ، والعالم ، وفي حجة الوداع ) : فوجب الإيمان بها على حد سواء ، بلا كيف ولا عطلة ولا مثال .

[ ص: 654 ] قال : واختلف العلماء في الراسخين في العلم : هل يعلمون تأويل المتشابه ، وتكون الواو عاطفة ؟ أم لا ، ويكون الوقف على «إلا الله » ، ثم يبتدئ قوله تعالى : «والراسخون » ؟ .

قال : وكل واحد من القولين محتمل ، واختاره طوائف . والأصح : الأول . وأن الراسخين يعلمونه ، لأنه يبعد أن يخاطب الله عباده : بما لا سبيل لأحد من الخلق إلى معرفته . وقد اتفق أصحابنا ، وغيرهم من المحققين : على أنه يستحيل أن يتكلم الله تعالى بما لا يفيد . والله أعلم . انتهى .

وأقول : الراجح : عدم علم الراسخين به . ولا بعد في تكلم الله تعالى بكلام مفيد في نفسه ، لا سبيل لأحد إلى معرفته . أليست فواتح السور ، من هذا القبيل ؟ وهل يجوز لأحد أن يقول : إنها كلام غير مفيد ؟ وهل لأحد سبيل إلى دركه ؟ قال في (فتح البيان ) : هل هو - أي قوله تعالى : والراسخون في العلم يقولون آمنا به ) - كلام مقطوع عما قبله ؟ أو معطوف على ما قبله ، فيكون «الواو » للجمع ؟ فالذي عليه الأكثر : أنه مقطوع عما قبله ، وأن الكلام تم عند قوله : «إلا الله » . وهذا قول « ابن عمر ، وابن عباس ، [ ص: 655 ] وعائشة ، وعروة بن الزبير ، وعمر بن عبد العزيز ، وأبي الشعثاء ، وأبي نهيك ، وغيرهم » .

وهو مذهب الكسائي ، والفراء ، والأخفش ، وأبي عبيد .

وحكاه ابن جرير الطبري : عن مالك ، واختاره .

وحكاه الخطابي : عن ابن مسعود ، وأبي بن كعب . انتهى .

ثم رد قول من قال خلاف ذلك : ردا مشبعا ، وأجاب عن كل دليل لهم على ذلك ، فراجعه .

ثم قال : قال الرازي : لو كان الراسخون في العلم عالمين بتأويله : لما كان لتخصيصهم بالإيمان به : «وجه » . إلى آخره .

قلت : ونفس «حديث الباب » : يؤيد هذا المراد ، ويرد علم الراسخين به ، تأمل .

قال النووي : وفيه التحذير من مخالطة أهل الزيغ ، وأهل البدع ، ومن يتتبع المشكلات : للفتنة . فأما من سأل عما أشكل عليه منها «للاسترشاد » ، وتلطف في ذلك : فلا بأس عليه . وجوابه : واجب .

وأما الأول : فلا يجاب ، بل يزجر ويعزر ، كما عزر عمر بن الخطاب «صبيع بن عسل » ، حين كان يتتبع المتشابه . انتهى .

[ ص: 656 ] قلت : وكان «عمر » من الراسخين في العلم ، المؤمنين به ؛ فزجر وعزر ، ولم يجوز الخوض فيه وتتبعه . وهكذا شيمة السلف .

ومن قال : إن الراسخين يعلمونه : فقد أفرط وتعدى . وقد بسطت القول في حدود المحكمات والمتشابهات ، وتفسير هذه الآية : في التفسير المذكور . ولعلك لا تجد مثله : في تفسير آخر ، فراجعه بقوة الإيمان ، وسلامة الإيقان بالإتقان : تخلص من مزالق الأقدام ، ومضائق الأفهام . إن شاء الله تعالى .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث