الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب في قوله تعالى ومن يقتل مؤمنا متعمدا

جزء التالي صفحة
السابق

5348 باب في قوله تعالى : ومن يقتل مؤمنا متعمدا

وأورده النووي ، في : (كتاب التفسير ) .

(حديث الباب )

وهو بصحيح مسلم \ النووي ، ص 160 ج 18 ، المطبعة المصرية

قال الإمام مسلم : (حدثني عبد الله بن هاشم ، وعبد الرحمن بن بشر العبدي ؛ قالا : حدثنا يحيى -وهو ابن سعيد القطان- عن ابن جريج ؛ حدثني القاسم بن أبي بزة ؛ عن سعيد بن جبير ؛ قال : قلت لابن عباس : ألمن قتل مؤمنا متعمدا من توبة ؟ قال : لا .

قال : فتلوت عليه هذه الآية ، التي في الفرقان : والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ، ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق إلى آخر [ ص: 670 ] الآية . قال : هذه آية مكية ، نسختها آية مدنية : ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها .

وفي رواية ابن هاشم : فتلوت عليه هذه الآية ، التي في الفرقان : إلا من تاب ) .

التالي السابق


(الشرح)

(عن سعيد بن جبير ؛ قال : قلت لابن عباس : ألمن قتل مؤمنا متعمدا من توبة ؟ قال : لا . قال : فتلوت عليه هذه الآية ، التي في الفرقان : « والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ، ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق إلى آخر الآية ) . قال : هذه آية مكية ، نسختها آية مدنية : « ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم ، خالدا فيها .

وفي رواية : «فتلوت عليه هذه الآية ، التي في الفرقان : «إلا من تاب » .

قال النووي : هذا هو المشهور عن ابن عباس . وروي عنه : أن له توبة ، وجواز المغفرة له ، لقوله تعالى : « ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما .

[ ص: 671 ] قال : وهذه الرواية الثانية ، هي مذهب جميع أهل السنة والصحابة والتابعين ، ومن بعدهم .

وما روي عن بعض السلف ، مما يخالف هذا : محمول على التغليظ ، والتحذير من القتل ، والتورية في المنع منه . وليس في هذه الآية التي احتج بها ابن عباس ، رضي الله عنهما : تصريح بأنه يخلد . وإنما فيها : أنه جزاؤه جهنم . ولا يلزم منه : أنه يجازى . وقد سبق تقرير هذه المسألة ، وبيان معنى الآية في كتاب التوبة . انتهى .

وفي (فتح البيان ): قد جاءت هذه الآية بتغليظ عقوبة القاتل عمدا . فجمع الله له فيها : بين كون جهنم جزاء له - أي يستحقها بسبب هذا الذنب - وبين كونه خالدا فيها ، وبين غضب الله ولعنته له ، وإعداده له : عذابا عظيما . وليس وراء هذا التشديد : تشديد ، ولا مثل هذا الوعيد : وعيد .

وقد اختلف العلماء ؛ هل لقاتل العمد توبة أم لا ، فذكره .

ثم قال : والحق : أن باب التوبة لم يغلق دون كل عاص ، بل هو مفتوح لكل من قصده ورام الدخول منه . وإذا كان الشرك - وهو أعظم [ ص: 672 ] الذنوب ، وأشدها - تمحوه التوبة إلى الله ، ويقبل من صاحبه الخروج منه والدخول في باب التوبة ، فكيف بما دونه من المعاصي ، التي من جملتها القتل عمدا ؟ لكن لا بد في توبة قاتل العمد : من الاعتراف بالقتل ، وتسليم نفسه بالقصاص - إن كان واجبا - أو تسليم الدية إن لم يكن القصاص واجبا ، وكان القاتل غنيا متمكنا من تسليمها أو بعضها .

وأما مجرد التوبة من القاتل عمدا ، وعزمه على أن لا يعود إلى قتل أحد ، من دون اعتراف ولا تسليم نفس : فنحن لا نقطع بقبولها . والله أرحم الراحمين ، هو الذي يحكم بين عباده فيما كانوا فيه يختلفون . انتهى . وهذا القدر يكفي - في هذا المقام - لثلج الصدر ، وطمأنينة النفس : بمعرفة المسألة هذه .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث