الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل حق الرجوع إنما يثبت بشروط

جزء التالي صفحة
السابق

فرع

استتار الثمار بالأكمة وظهورها بالتأبير ، قريبان من استتار الجنين وظهوره بالانفصال . وفيها الأحوال الأربع المذكورة في الجنين . أولها : أن يشتري نخلا عليها ثمرة غير مؤبرة كانت عند الرجوع غير مؤبرة أيضا .

وثانيها : أن يشتريها ولا ثمرة عليها ، ثم حدث بها ثمرة عند الرجوع مؤبرة ، أو مدركة ، أو مجذوذة ، فحكمها ما ذكرناه في الحمل . وثالثها : إذا كانت ثمرتها عند الشراء غير مؤبرة ، وعند الرجوع مؤبرة ، فطريقان : أحدهما : أن أخذ البائع الثمرة على القولين في أخذ الولد إذا كانت حاملا عند البيع ووضعت عند الرجوع . والثاني : القطع بأخذها ; لأنها [ ص: 162 ] وإن كانت مستترة ، فهي شاهدة موثوق بها ، قابلة للإفراد بالبيع ، وكانت أحد مقصودي البيع ، فرجع فيها رجوعه في النخيل .

ورابعها : إذا كانت النخلة عند الشراء غير مطلعة ، وأطلعت عند المشتري ، وكانت يوم الرجوع غير مؤبرة ، فقولان . أظهرهما وهو رواية المزني وحرملة : يأخذ الطلع مع النخل ; لأنه تبع في البيع ، فكذا هنا . والثاني : لا يأخذه وهو رواية الربيع ; لأنه يصح إفراده فأشبه المؤبرة . وقيل : لا يأخذه قطعا . قال الشيخ أبو حامد : وعلى هذا قياس الثمرة التي لم تؤبر . فحيث أزال الملك باختياره بعوض ، بيع ما لم يؤبر . وإن زال قهرا بعوض ، كالشفعة ، والرد بالعيب ، فالتبعية على هذين القولين . وإن زال بلا عوض ، باختيار أو قهر ، كالرجوع بهبة الولد ، ففيه أيضا القولان .

وحكم باقي الثمرة وما يلتحق منها بالمؤبرة ، وما لا أوضحناه في البيع . فإذا قلنا برواية المزني ، فجرى التأبير والرجوع ، فقال البائع : رجعت قبل التأبير ، فالثمار لي ، وقال المفلس : بعده ، فالمذهب : أن القول قول المفلس مع يمينه ; لأن الأصل عدم الرجوع حينئذ ، وبقاء الثمار له . قال المسعودي : ويخرج قول : أن القول قوله بلا يمين ، بناء على أن النكول ورد اليمين كالإقرار ، وأنه لو أقر لم يقبل إقراره . وفي قول : القول قول البائع ; لأنه أعرف بتصرفه .

قلت : ينبغي أن يجيء قول : إن القول قول السابق بالدعوى . وقول : إنهما إن اتفقا على وقت التأبير ، واختلفا في الفسخ ، فقول المفلس . وإن اتفقا على وقت الفسخ ، واختلفا في التأبير ، فقول البائع ، كالقولين في اختلاف الزوجين في انقضاء العدة ، والرجعة ، والإسلام . قال صاحب الشامل وغيره : وكذا لو قال البائع : بعتك بعد التأبير ، فالثمرة لي . وقال المشتري : قبله ، فالقول قول البائع مع يمينه ، وقد ذكرت هذه المسألة في اختلاف المتبايعين . والله أعلم .

[ ص: 163 ] فإذا حلف المفلس ، حلف على نفي العلم بسبق الرجوع على التأبير ، لا على نفي السبق .

قلت : فلو أقر البائع أن المفلس لا يعلم تاريخ الرجوع ، سلمت الثمرة للمفلس بلا يمين ؛ لأنه يوافقه على نفي علمه ، قاله الإمام . - والله أعلم - .

فإن حلف ، بقيت الثمار له وإن نكل ، فهل للغرماء أن يحلفوا ؟ فيه الخلاف السابق ، فيما إذا ادعى المفلس شيئا ولم يحلف . فإن قلنا : لا يحلفون وهو المذهب ، أو يحلفون ، فنكلوا ، عرضت اليمين على البائع ، فإن نكل ، فهو كما لو حلف المفلس . وإن حلف ، فإن جعلنا اليمين المردودة بعد النكول كالبينة ، فالثمرة له . وإن جعلناها كالإقرار ، فعلى القولين في قبول إقرار المفلس في مزاحمة المقر له الغرماء . فإن لم يقبله ، صرفت الثمار إلى الغرماء . فإن فضل شيء ، أخذه البائع بحلفه السابق . هذا إذا كذب الغرماء البائع ، كما كذبه المفلس . فإن صدقوه ، لم يقبل قولهم على المفلس ، بل إذا حلف ، بقيت الثمار له ، وليس لهم طلب قسمتها ، لأنهم يزعمون أنها للبائع ، وليس له التصرف فيها ، للحجر ، واحتمال أن يكون له غريم آخر ، لكن له إجبارهم على أخذها إن كانت من جنس حقهم ، أو إبراء ذمته من ذلك القدر ، هذا هو الصحيح ، كما لو جاء المكاتب بالنجم ، فقال السيد : غصبته ، فيقال : خذه ، أو أبرئه عنه . وفي وجه : لا يجبرون ، بخلاف المكاتب ؛ لأنه يخاف العود إلى الرق إن لم يأخذه ، وليس على المفلس كبير ضرر . وإذا أجبروا على أخذها ، فللبائع أخذها منهم لإقرارهم . وإن لم يجبروا وقسمت أمواله ، فله طلب فك الحجر إذا قلنا : لا يرتفع بنفسه . ولو كانت من غير جنس حقوقهم ، فبيعت وصرف ثمنها إليهم تفريعا على الإجبار ، لم يتمكن [ ص: 164 ] البائع من أخذه منهم ، بل عليهم رده إلى المشتري . فإن لم يأخذه ، فهو مال ضائع .

قلت : هذا هو الصحيح المعروف . وفي " الحاوي " وجه شاذ : أنه يجب عليهم دفع الثمن إلى البائع ؛ لأنه بدل الثمرة فأعطي حكمها ، والصواب ما سبق . - والله أعلم - .

ولو كان في المصدقين عدلان شهدا للبائع بصيغة الشهادة وشرطها ، أو عدل وحلف معه البائع ، قضي له . كذا أطلق الشافعي - رضي الله عنه - وجماهير الأصحاب ، وأحسن بعض الشارحين للمختصر ، فحمله على ما إذا شهدا قبل تصديق البائع . ولو صدق بعض الغرماء البائع ، وكذبه بعضهم ، فللمفلس تخصيص المكذبين بالثمرة . فلو أراد قسمتها على الجميع ، فوجهان . قال أبو إسحاق : له ذلك ، كما لو صدقه الجميع . وقال الأكثرون : لا ؛ لأن المصدق يتضرر ، لكون البائع يأخذ منه ما أخذ ، والمفلس لا يتضرر بعدم الصرف إليه ، لإمكان الصرف إلى من كذب ، بخلاف ما إذا صدقه الجميع . وإذا صرف إلى المكذبين ، ولم يف بحقوقهم ، ضاربوا المصدقين في باقي الأموال ببقية دينهم مؤاخذة لهم على الأصح المنصوص - وفي وجه : بجميع ديونهم - لأن زعم المصدقين ، أن شيئا من ديون المكذبين لم يتأد . هذا كله إذا كذب المفلس البائع ، فلو صدقه ، نظر ، إن صدقه الغرماء أيضا ، قضي له . وإن كذبوه وزعموا أنه أقر بمواطأة ، فعلى القولين بإقراره بعين أو دين . إن قلنا : لا يقبل ، فللبائع تحليف الغرماء أنهم لا يعرفون رجوعه قبل التأبير على المذهب . وقيل : في تحليفهم القولان في حلف الغرماء على الدين ، وهو ضعيف ؛ لأن اليمين هنا توجهت عليهم ابتداء ، وهناك ينوبون عن المفلس . واليمين لا تجري فيها النيابة .

قلت : وليس للغرماء تحليف المفلس ؛ لأن المقر لا يمين عليه فيما أقر به ، قاله في " الحاوي " وغيره . - والله أعلم - .

[ ص: 165 ] فرع

الاعتبار في انفصال الجنين وتأبير الثمار بحال الرجوع دون الحجر ؛ لأن ملك المفلس باق إلى أن يرجع البائع .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث