الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان

المسألة الثانية : القرآن اسم لما بين الدفتين من كلام الله ، واختلفوا في اشتقاقه ، فروى الواحدي في " البسيط " عن محمد بن عبد الله بن الحكم أن الشافعي - رضي الله عنه - كان يقول : إن القرآن اسم وليس بمهموز ولم يؤخذ من قرأت ، ولكنه اسم لكتاب الله مثل التوراة والإنجيل ، قال : ويهمز قراءة ولا يهمز القرآن كما يقول : ( وإذا قرأت القرآن ) [ الإسراء : 45 ] ، قال الواحدي : وقول الشافعي إنه اسم لكتاب الله يشبه أنه ذهب إلى أنه غير مشتق ، وذهب آخرون إلى أنه مشتق ، واعلم أن القائلين بهذا القول منهم من لا يهمزه ومنهم من يهمزه ، [ ص: 74 ] أما الأولون فلهم فيه اشتقاقان :

أحدهما : أنه مأخوذ من قرنت الشيء بالشيء إذا ضممت أحدهما إلى الآخر ، فهو مشتق من قرن والاسم قران غير مهموز ، فسمي القران قرانا ، إما لأن ما فيه من السور والآيات والحروف يقترن بعضها ببعض ، أو لأن ما فيه من الحكم والشرائع مقترن بعضها ببعض ، أو لأن ما فيه من الدلائل الدالة على كونه من عند الله مقترن بعضها ببعض ، أعني اشتماله على جهات الفصاحة وعلى الأسلوب الغريب ، وعلى الإخبار عن المغيبات ، وعلى العلوم الكثيرة ، فعلى هذا التقدير هو مشتق من قرن والاسم قران غير مهموز .

وثانيهما : قال الفراء : أظن أن القرآن سمي من القرائن ، وذلك لأن الآيات يصدق بعضها بعضا على ما قال تعالى : ( ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا ) [ النساء : 82 ] فهي قرائن ، وأما الذين همزوا فلهم وجوه :

أحدها : أنه مصدر القراءة ، يقال : قرأت القرآن فأنا أقرؤه قرءا وقراءة وقرآنا ، فهو مصدر ، ومثل القرآن من المصادر : الرجحان والنقصان والخسران والغفران ، قال الشاعر :

ضحوا بأشمط عنوان السجود به يقطع الليل تسبيحا وقرآنا



أي قراءة ، وقال الله سبحانه وتعالى : ( إن قرآن الفجر كان مشهودا ) [ الإسراء : 78 ] هذا هو الأصل ، ثم إن المقروء يسمى قرآنا ، لأن المفعول يسمى بالمصدر ، كما قالوا للمشرب : شراب وللمكتوب كتاب ، واشتهر هذا الاسم في العرف حتى جعلوه اسما لكلام الله تعالى .

وثانيها : قال الزجاج وأبو عبيدة : إنه مأخوذ من القرء وهو الجمع ، قال عمرو :

هجان اللون لم تقرأ جنينا

.

أي لم تجمع في رحمها ولدا ، ومن هذا الأصل : قرء المرأة وهو أيام اجتماع الدم في رحمها ، فسمي القرآن قرآنا ، لأنه يجمع السور ويضمها .

وثالثها : قول قطرب وهو أنه سمي قرآنا ، لأن القارئ يكتبه ، وعند القراءة كأنه يلقيه من فيه أخذا من قول العرب : ما قرأت الناقة سلى قط ، أي ما رمت بولد وما أسقطت ولدا قط وما طرحت ، وسمي الحيض قرءا لهذا التأويل ، فالقرآن يلفظه القارئ من فيه ويلقيه فسمي قرآنا .

المسألة الثالثة : قد ذكرنا في تفسير قوله تعالى : ( وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا ) [ البقرة : 23 ] ، أن التنزيل مختص بالنزول على سبيل التدريج ، والإنزال مختص بما يكون النزول فيه دفعة واحدة ، ولهذا قال الله تعالى : ( نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه وأنزل التوراة والإنجيل ) [ آل عمران : 3 ] ، إذا ثبت هذا فنقول : لما كان المراد ههنا من قوله تعالى : ( شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن ) أنزل من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا ، لا جرم ذكره بلفظ الإنزال دون التنزيل ، وهذا يدل على أن هذا القول راجح على سائر الأقوال .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث