الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب ما جاء في رؤية رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام

( حدثنا قتيبة هو ابن سعيد حدثنا عبد الواحد بن زياد عن عاصم بن كليب ) بالتصغير ( حدثني أبي ) أي : كليب ( أنه سمع أبا هريرة يقول قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من رآني في المنام فقد رآني فإن الشيطان لا يتمثلني ) هذا من قبيل تعدية التمثيل بنفسه ، وفي بعض النسخ لا يتمثل بي ، وفي رواية لمسلم أنه لا ينبغي للشيطان أن يتمثل في صورتي ، وفي رواية للبخاري فإن الشيطان لا يتكونني أي : لا يتكون كوني فحذف المضاف ووصل المضاف إليه بالفعل وأغرب ابن حجر حيث قلب الكلام بقوله فحذف المضاف إليه ووصل المضاف بالفعل ، وفي أخرى له لا يتراءى بي بوزن يترامى أي : لا يستطيع أن يتمثل بي ؛ لأنه تعالى ، وإن أمكنه في التصور بأي صورة أراد لم يمكنه من التصور بصورته - صلى الله عليه وسلم - قال جماعة : ومحل هذا أن رأي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في صورته التي كان عليها ، وبالغ بعضهم فقال في صورته التي قبض عليها حتى عدد شيبه الشريف ومن هؤلاء ابن سيرين فإنه صح عنه أنه كان إذا قصت عليه رؤياه قال للرائي صف لي الذي رأيته فإن وصف له صفة لم يعرفها قال لم تره . ويؤيد هؤلاء ما ذكره المصنف بقوله نقلا عن عاصم ( قال أبي ) أي : كليب ( فحدثت به ) أي : بهذا الحديث ( ابن عباس فقلت قد ) وفي نسخة فقد ( رأيته ) أي : النبي [ ص: 295 ] - صلى الله عليه وسلم - في المنام ( فذكرت الحسن بن علي ) أي : فإني قد رأيته يقظة ( فقلت شبهته ) أي : المرئي ( به ) أي : بالحسن ( فقال ابن عباس : إنه ) أي : الحسن ( كان يشبهه ) أي : النبي - صلى الله عليه وسلم - وأغرب الحنفي في المقام حيث قال أي شبه الحسن بن علي ، وهذا أولى من عكسه في المقام انتهى .

ووجه غرابته لا يخفى على الأعلام فإن من المعلوم أن المشبه به يكون أقوى في الكلام ، وكأنه جعل ضمير إنه راجعا إلى المرئي الذي رئي في عالم المثال لكن يرد هذا الخيال أن ابن عباس هو صاحب المقال ، والله أعلم بالحال .

ومما يبطله أيضا أن الحديث رواه الحاكم بسند جيد عن عاصم بن كليب أيضا ولفظه قلت لابن عباس رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - في المنام فقال صفه لي قال فذكرت الحسن بن علي فشبهته به فقال قد رأيته .

وقد ورد مشابهة الحسن له - صلى الله عليه وسلم - في أحاديث فيكون رؤيا الرائي صحيحة على وجه الحقيقة وعن علي - كرم الله وجهه - أن الحسن أشبه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما بين الصدر إلى الرأس والحسين أشبه النبي - صلى الله عليه وسلم - ما كان أسفل من ذلك ، هذا ، وقال آخرون لا يشترط ذلك لخبر من رآني في المنام فإني أرى في كل صورة لكنه حديث ضعيف لا يصلح لمعارضة ما سبق ، وإن كان يوفقه عموم الأحاديث الصحيحة التي ظاهرها الإطلاق ، والتقييد يحتاج إلى مخصص بالاتفاق ، فما سبق من كلام ابن عباس يحمل على الكمال وما تقدم من كلام ابن سيرين على أنه إذا رئي بوصفه المعروف فقد رأى رؤية محقة لا تحتاج إلى تعبير ولا تأويل ، بخلاف ما إذا رآه على خلاف نعته من كونه صغيرا أو طويلا أو قصيرا أو أسود أو أخضر وأمثال ذلك فإنه حينئذ يحتاج إلى تعبير رؤياه كما قدمناه ، فقد قال ابن العربي ما حاصله أن رؤيته بصفته المعلومة إدراك على الحقيقة وبغيرها إدراك للمثال فإن الصواب أن الأنبياء - عليهم السلام - لا تغيرهم الأرض فإدراك الذات الكريمة حقيقة وإدراك الصفات إدراك للمثال وشذ من قال من القدرية لا حقيقة للرؤيا أصلا ومعنى قوله فسيراني سيرى تفسير ما رأى ؛ لأنه حق وغيب ، وقوله فكأنما رآني أنه لو رآني يقظة لطابق ما رآه نوما فيكون الأول حقا وحقيقة والثاني حقا وتمثيلا هذا كله إن رآه بصفته المعروفة وإلا فهي أمثال فإن رآه مقبلا عليه مثلا فهو خير للرائي وعكسه بعكسه ويؤيده ما قال ابن أبي جمرة رؤياه في صورة حسنة حسن في دين الرائي ومع شين أو نقص في بعض بدنه خلل في دين الرائي ؛ لأنه كالمرآة الصيقلة ينطبع فيها ما قابله ، وإن كانت ذاته على أحسن حال وأكمله وهذه هي الفائدة الكبرى في رؤيته إذ بها يعرف حال الرائي ، وقال بعضهم : أحوال الرائين بالنسبة إليه مختلفة إذ هي رؤيا بصيرة ، وهي لا تستدعي حصر المرئي بل يرى شرقا وغربا وأرضا وسماء كما ترى الصورة في مرآة قابلتها ، وليس جرمها منتقلا لجرم المرآة فاختلاف رؤيته كأن يراه إنسان شيخا وآخر شابا في حالة واحدة فاختلاف الصورة الواحدة في مرايا مختلفة الأشكال والمقادير فيكبر ويصغر ويعوج ويطول في الكبيرة والصغيرة والمعوجة [ ص: 296 ] والطويلة وبهذا علم جواز رؤية جماعة له في آن واحد من أقطار متباعدة وبأوصاف مختلفة وأجاب عن هذا أيضا الزركشي بأنه - صلى الله عليه وسلم - سراج ونور الشمس في هذا العالم مثال نوره في العوالم كلها فكما أن الشمس يراها كل من المشرق والمغرب في ساعة واحدة وبصفات مختلفة كذلك هو - صلى الله عليه وسلم - ، وأما قول بعضهم أن الرؤيا بعين الرأس وما حكي عن بعض المتكلمين من أنها مدركة بعين في القلب وأنه ضرب من المجاز فباطل على خلاف الحقيقة وصادر عن الغلو والحماقة كما صرح به ابن العربي ، والله سبحانه أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث