الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
( حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا جرير عن عطاء بن السائب عن أبيه عن عبد الله بن عمرو ) أي : ابن العاص ( قال : انكسفت الشمس ) أي : ذهب نور كلها أو بعضها ، يقال كسفت بفتح الكاف وانكسفت [ ص: 147 ] بمعنى وأنكر الفراء انكسف ، وكذا الجوهري حيث نسبه إلى العامة ، والحديث يرد عليهما ، وحكى كسفت بضم الكاف ، وهو نادر ، وقال الكرماني : يقال كسفت الشمس والقمر بفتح الكاف وضمها ، وانكسفا وخسفا بفتح الخاء وضمها وانخسفا ، والكل بمعنى واحد ، وقيل كسفت الشمس بالكاف ، وخسف القمر بالخاء ثم الجمهور على أنهما يكونان لذهاب ضوئهما بالكلية ، ولذهاب بعضه أيضا ، وقال بعضهم : الخسوف في الجمع ، والكسوف في البعض وقيل الخسوف ذهاب اللون ، والكسوف التغير ، وقال العسقلاني : المشهور في استعمال الفقهاء أن الكسوف للشمس والخسوف للقمر ، وذكر الجوهري أنه أفصح ، وقيل يتعين ذلك ، وحكى عياض عن بعضهم عكسه ، وغلط لثبوته بالخاء للقمر في القرآن ، وقيل يقال في كل منهما ، وبه جاءت الأحاديث ، وقيل بالكاف في الابتداء ، وبالخاء في الانتهاء ( يوما على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ) وهو يوم ماتإبراهيم ولد النبي - صلى الله عليه وسلم - كما في البخاري بلفظ كسفت الشمس على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم مات إبراهيم ولد النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال الناس : كسفت الشمس لموت إبراهيم ( فقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي حتى لم يكد ) أي : لم يقرب ( يركع ) بلا لفظة ( أن ) وهو كناية عن طول القيام والقراءة ; فإنه صح عنه عليه السلام أنه قرأ قدر البقرة في الركعة الأولى ( ثم ركع فلم يكد يرفع رأسه ) كذلك بدون أن بخلاف الباقي مما سيأتي من قوله ( ثم رفع رأسه فلم يكد أن يسجد ثم سجد ) ، ولمسلم من حديث جابر ثم رفع فأطال ثم سجد ( فلم يكد أن يرفع رأسه ثم رفع رأسه فلم يكد أن يسجد ) وكذا رواه النسائي وابن خزيمة من طريق الثوري عن عطاء بن السائب ، والثوري سمع منه قبل الاختلاط ، فالحديث صحيح ، ولم أقف في شيء من الطرق على تطويل الجلوس بين السجدتين في صلاة الكسوف إلا في هذا ، وقد نقل الغزالي الاتفاق على ترك إطالته ، فإن أراد الاتفاق المذهبي فلا كلام ، وإلا فهو محجوج بهذه الرواية ذكره العسقلاني ( ثم سجد فلم يكد أن يرفع رأسه فجعل ينفخ ) أي : من غير أن يظهر من فمه حرفان ( ويبكي ) قال ميرك : ووقع في رواية أحمد بن خزيمة وابن حبان والطبراني بلفظ : وجعل ينفخ في الأرض ويبكي وهو ساجد وذلك [ ص: 148 ] في الركعة الثانية ( ويقول رب ألم تعدني أن لا تعذبهم وأنا فيهم ) أي : بقولك وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم الآية ( رب ألم تعدني أن لا تعذبهم وهم يستغفرون ) أي : بقولك وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون ( ونحن نستغفرك ) فيه إيماء إلى تحقيق الموعودين مع زيادة وهي استغفاره - صلى الله عليه وسلم - معهم وذكر ذلك ; لأن الكسوف ربما دل على وقوع عذاب فخشي - صلى الله عليه وسلم - من وقوعه وعمومه ، ومن ثمة روى البخاري فقام فزعا يخشى أن تقوم الساعة .

وفيه تعليم الأمة من ذكر وعد الله للمؤمنين في مقام طلب دفع البلاء ، وكأن فائدة الدعاء بعدم تعذيبهم مع الوعد به الذي لا يخلف تجويز أن ذلك الوعد منوط بشرط أو قيد اختل ( فلما صلى ركعتين انجلت الشمس ) أي : انكشفت وروى النسائي فصلى بهم ركعتين كما يصلون وروى المص كما ترى أنه ركع في كل ركعة ركوعا .

وروى ابن حبان أنه - صلى الله عليه وسلم - صلى في كسوف الشمس والقمر ركعتين مثل صلاتكم .

وبهذا أخذ أبو حنيفة وأصحابه وغيرهم من العلماء ، وأما ما قال جمع أنه - صلى الله عليه وسلم - لم يصل في كسوف القمر فيرده عليهم ما رواه ابن حبان في صحيحه ، وتأويل صلى بأمر باطل إذ لا دليل عليه ، وأما قول ابن القيم من أنه لم ينقل عنه أنه - صلى الله عليه وسلم - صلى فيه جماعة فيرده قول ابن حبان في سيرته أنه خسف في السنة الخامسة فصلى - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه صلاة الكسوف فكانت أول صلاة كسوف في الإسلام ، وجزم به مغلطاي : والزين العراقي لكن قد يقال إن مراد ابن القيم أنه لم ينقل نقلا صحيحا مع أنه ليس في حديث ابن حبان في سيرته تصريح بأنه - صلى الله عليه وسلم - صلى فيه جماعة والله أعلم .

ثم اعلم أنه ورد في بعض الروايات أنه ركع في كل ركعة ركوعين ، وفي بعضها ثلاثا ، وفي بعضها أربعا ، وفي بعضها ستا فحمل بعض الشافعية الروايات المتعارضة على تعدد الواقعة ، وأن كلا من هذه الأوجه جائز ، وقواه النووي في شرح مسلم ، وفيه أن صحة تعدد الكسوف يحتاج إلى نقل ثابت لا بمجرد جمع الروايات يقال بالتعدد خصوصا أنه نقل أنه - صلى الله عليه وسلم - لم يصلها بالمدينة إلا مرة واحدة ، وقد نقل ابن القيم عن الشافعي ، وأحمد والبخاري أنهم كانوا يعدون الزيادة على الركوعين غلطا من بعض الرواة ، فإن أكثر طرق الحديث يمكن رد بعضها إلى بعض ، ويجمعها أن ذلك كان يوم مات إبراهيم ، وإذا اتحدت القضية بطلت دعوى تعدد الواقعة مع أن كلا من رواية الثلاث وما فوقها لا تخلو عن علة .

وأما تعين الأخذ بالراجح ، وهو ركوعان على ما ذكره بعض الشافعية فمحل بحث ; فإنه عند اختلاف الروايتين بين الركوع والركوعين ينبغي الحمل على ما هو المعهود من صلاته - صلى الله عليه وسلم - وأن الزيادة ساقطة لاعتبارها محمولة على وهم بعض الرواة ، ولذا قال الإمام محمد من أئمتنا : إن تأويل ذلك أنه - صلى الله عليه وسلم - لما أطال الركوع رفع بعض الصفوف رءوسهم ظنا منهم أنه عليه السلام رفع رأسه من الركوع فرفع من خلفهم ، فلما رأوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - راكعا ركعوا فركع من خلفهم فمن كان خلف خلفهم ظن أنه صلى الله عليه [ ص: 149 ] وسلم صلى بأكثر من ركوع فروى على حسب ما عنده من الاشتباه ويدل على هذا أنه - صلى الله عليه وسلم - لم يصلها بالمدينة إلا مرة واحدة باتفاق المحدثين ، وأرباب السير على خلاف في تعيين سنة موت إبراهيم ، فجمهور أهل السيرة على أنه مات في السنة العاشرة فقيل في ربيع الأول ، وقيل في رمضان ، وقيل في ذي الحجة ، ولم يصح الأخير ; لأنه كان بمكة في حجة الوداع ، وقد شهد وفاته بالمدينة ، وكانت وفاته بالمدينة اتفاقا ، وقيل مات سنة تسع ، وجزم النووي بأنها كانت سنة الحديبية .

( فقام ) أي : في محله أو على المنبر ( فحمد الله ) قال ابن حجر : فيه دليل لمذهبنا من تعيين لفظ ح م د في الخطبة انتهى وفي استدلاله نظر ظاهر ( وأثنى عليه ) تفسير لما قبله أو المعنى شكره على إنعاماته ، وأثنى على ذاته وصفاته وزاد عليه النسائي من حديث سمرة ، وشهد أنه عبد الله ورسوله ( ثم قال : إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله ) أي : الدالان على وحدانيته ، وكمال قدرته كما قال تعالى وجعلنا الليل والنهار آيتين الآية أي : علامتين تدلان على القادر الحكيم بتعاقبهما على نسق واحد مع إمكان غيره أو على تخويف العباد من بأسه ، وسطوته ويؤيده قوله تعالى وما نرسل بالآيات إلا تخويفا وزاد في الصحيحين : لا يخسفان لموت أحد ، ولا لحياته ، قال ميرك : وقع في الروايات الأخر المخرجة في الصحيحين وغيرهما من طرق كثيرة زيادة بعد قوله من آيات الله وهي ( لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته ) وورد في رواية أخرى صحيحة أيضا بيان سبب هذا القول ولفظها ، وذلك أن ابنا للنبي - صلى الله عليه وسلم - يقال له إبراهيم مات فقيل إنما كسفت لموت إبراهيم أخرجه ابن حبان .

وفي رواية أخرى صحيحة أيضا من حديث النعمان بن بشير قال انكسفت الشمس في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فخرج فزعا يجر رداءه حتى أتى المسجد فصلى حتى انجلت فلما انجلت قال : إن الناس يزعمون أن الشمس والقمر لا ينكسفان إلا لموت عظيم من العظماء ، وليس كذلك إلى آخره أخرجه أحمد والنسائي وابن ماجه وصححه ابن خزيمة والحاكم .

( فإن انكسفا ) فيه تغليب القمر في التذكير ، وتغليب الشمس في الفعل على الشهير ، وفي نسخة فإذا انكسفا ( فافزعوا ) بفتح الزاي أي : خافوا وتضرعوا ، والتجئوا وبادروا ، وتوجهوا ( إلى ذكر الله تعالى ) والأمر للاستحباب ، وفي رواية البخاري ، فإذا رأيتموها فصلوا وادعوا فسميت الصلاة ذكرا لاشتمالها عليه ، ومدارها إليه كما قال سبحانه وأقم الصلاة لذكري وفي رواية لأبي داود والنسائي : إنما هذه الآيات يخوف الله بها عباده فإذا [ ص: 150 ] رأيتموها فصلوا وتذكروا الخوف .

وفي أمره - صلى الله عليه وسلم - بالصلاة فقط دون الخطبة دلالة على أن الخطبة ليست مشروعة ، ولو كانت لنبينا - صلى الله عليه وسلم - .

ثم اعلم أن هاهنا أبحاثا منها ما قاله ابن حجر من أن حديث الباب لا يدل على أن في كل ركعة قياما واحدا خلافا لمن زعمه .

قلت دلالته ظاهرة ، وإنكاره مكابرة ثم قال : وعلى التنزل فهو معارض بما هو أصح وأشهر ، قلت : قد رده ابن الهمام بما لا مزيد عليه ثم قال : على أنا نقول بموجبه ، فإنا نجوز قياما وقيامين ، فلم نخالف السنة بخلاف من أنكر تعدد القيام ; فإنه خالف السنة الصريحة بلا مستند اللهم إلا أن يقال لم يبلغه ذلك ، قلت : قد بلغهم كما تقدم عن الإمام محمد مع تأويله ، وأجابوا بالمعارضة ، ومستندهم الروايات المصرحة بأنه كان قياما واحدا مع أن تجويز القيام والقيامين إنما يصح لو صح تعدد الواقعة ، وهو غير صحيح .

ثم اعلم أن أهل الهيئة زعموا أن الكسوف أمر عادي لا يتقدم ، ولا يتأخر ورد قولهم عليهم بأنه لو كان بالحساب لم يقع فزع ، ولا أمرنا بنحو العتق ، والصلاة كما في خبر البخاري من قوله - صلى الله عليه وسلم - فإذا رأيتم ذلك فافزعوا ، وكبروا وصلوا وتصدقوا ، ومقتضاه أن ذلك مما يندفع به ما يخشى من أثر الكسوف الموجب للفزع ، وبما صح من خبر إن الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد ، ولا لحياته ولكنهما آيتان من آيات الله ، وإن الله إذا تجلى لشيء من خلقه خشع له .

فإن ظاهره أن سبب الكسوف خشوعهما لله تعالى .

ولعل السر في ذلك أن النور من عالم الجمال الحسي ، فإذا تجلت صفة الجلال انطمست الأنوار لهيبته ، وظهور عظمته ، ومن ثمة قال طاوس : لما نظر للشمس ، وهي كاسفة فبكى حتى كاد أن يموت ، وقال هي أخوف لله منا .

وبما تقرر من صحة الحديث ، وظهور معناه اندفع قول الغزالي أنه لم يثبت فيجب تكذيب ناقله ، ولو صح كان تأويله سهل من مكابرة أمور قطعية لا تصادم من أصل الأصول الشرعية انتهى .

لكن قال ابن دقيق العيد : لا تنافي بين الحديث ، وبين ما قالوا : فإن لله أفعالا على حسب العادة واقعة لا خارجة عنها وقدرته حاكمة على كل سبب يقطع ما يشاء من الأسباب والمسببات بعضها عن بعض ، وحينئذ فالعلماء بالله لقوة اعتقادهم في عموم قدرته على خرق العادة ، وأنه يفعل ما يشاء وإذا وقع شيء غريب حدث عندهم الخوف لقوة ذلك الاعتقاد ، وذلك لا يمنع أن ثمة أسبابا تجري عليها بالعادة إلى أن يشاء الله خرقها .

وحاصله أن ما ذكروه إن كان حقا في نفس الأمر لا ينافي كون ذلك تخويفا لعباده ، هذا والحديث أخرجه أحمد وصححه ابن خزيمة والطبراني وابن حبان كلهم من طريق عطاء بن السائب عن عبد الله بن عمرو .

وقال العلماء : في هذه الأحاديث إبطال ما كان أهل الجاهلية يعتقدونه من تأثير الكواكب في الأرض وهو نحو قوله في الحديث الآخر يقولون مطرنا بنوء كذا .

قال الخطابي : كانوا في الجاهلية يعتقدون أن الكسوف يوجب حدوث تغير في الأرض موتا أو ضررا فأعلم النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه اعتقاد باطل ، وأن الشمس والقمر خلقان مسخران لله ليس لهما سلطان في غيرهما ، ولا قدرة على الدفع عن أنفسهما .

وفيه بيان [ ص: 151 ] ما كان عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - من الشفقة على أمته وشدة الخوف من ربه .

التالي السابق


الخدمات العلمية