الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب ذوي القربى الذين تحرم عليهم الصدقة

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

باب ذوي القربى الذين تحرم عليهم الصدقة قال أصحابنا : من تحرم عليهم الصدقة منهم آل العباس ، وآل علي ، وآل جعفر ، وآل عقيل ، وولد الحارث بن عبد المطلب جميعا . وحكى الطحاوي عنهم : وولد عبد المطلب ، ولم أجد ذلك عنهم رواية . والذي تحرم عليهم من ذلك الصدقات المفروضة ، وأما التطوع فلا بأس [ ص: 335 ] به . وذكر الطحاوي أنه روي عن أبي حنيفة وليس بالمشهور أن فقراء بني هاشم يدخلون في آية الصدقات ، ذكره في أحكام القرآن ، قال : وقال أبو يوسف ومحمد لا يدخلون . قال أبو بكر : المشهور عن أصحابنا جميعا من قدمنا ذكره من آل العباس وآل علي وآل جعفر وآل عقيل وولد الحارث بن عبد المطلب ، وأن تحريم الصدقة عليهم خاص في المفروض منه دون التطوع .

وروى ابن سماعة عن أبي يوسف أن الزكاة من بني هاشم تحل لبني هاشم ، ولا يحل ذلك من غيرهم لهم . وقال مالك : { لا تحل الزكاة لآل محمد والتطوع يحل } وقال الثوري : لا تحل الصدقة لبني هاشم ولم يذكر فرقا بين النفل والفرض ، وقال الشافعي : { تحرم صدقة الفرض على بني هاشم وبني عبد المطلب ، ويجوز صدقة التطوع على كل أحد إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه كان لا يأخذها } . والدليل على أن الصدقة المفروضة محرمة على بني هاشم حديث ابن عباس قال : ما خصنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء دون الناس إلا بثلاث إسباغ الوضوء ، وأن لا نأكل الصدقة ، وأن لا ننزي الحمير على الخيل . وروي أن الحسن بن علي أخذ تمرة من الصدقة فجعلها في فيه ، فأخرجها رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : إنا آل محمد لا تحل لنا الصدقة . وحدثنا محمد بن بكر قال : حدثنا أبو داود قال : حدثنا نصر بن علي قال : حدثنا أبي عن خالد بن قيس عن قتادة عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم وجد تمرة فقال : لولا أني أخاف أن تكون صدقة لأكلتها . وروى بهز بن حكيم عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم : في الإبل السائمة من كل أربعين ابنة لبون من أعطاها مؤتجرا فله أجرها ، ومن منعها فإنا آخذوها وشطر ماله ، لا يحل لآل محمد منها شيء . وروي من وجوه كثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم : إن الصدقة لا تحل لآل محمد إنما هي أوساخ الناس . فثبت بهذه الأخبار تحريم الصدقات المفروضات عليهم .

فإن قيل : روى شريك عن سماك بن حرب عن عكرمة عن ابن عباس قال : قدم عير المدينة ، فاشترى منها النبي صلى الله عليه وسلم متاعا فباعه بربح أواق فضة ، فتصدق بها على أرامل بني عبد المطلب ثم قال : لا أعود أن أشتري بعدها شيئا ، وليس ثمنه عندي فقد تصدق على هؤلاء ، وهن هاشميات . قيل له : ليس في الخبر أنهن كن هاشميات ، وجائز أن لا يكن هاشميات بل زوجات بني عبد المطلب من غير بني عبد المطلب ، بل عربيات من غيرهم ، وكن أزواجا لبني عبد المطلب فماتوا عنهن . وأيضا فإن ذلك كان صدقة تطوع ، وجائز أن يتصدق عليهم بصدقة التطوع . وأيضا فإن حديث عكرمة الذي ذكرناه أولى ؛ لأن حديث ابن عباس أخبر [ ص: 336 ] فيه بحكمه فيهم بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم فالحظر متأخر للإباحة ، فهذا أولى ، وأما بنو المطلب فليسوا من أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم لأن قرابتهم منه كقرابة بني أمية ، ولا خلاف أن بني أمية ليسوا من أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم وكذلك بنو المطلب فإن قيل : لما أعطاهم النبي صلى الله عليه وسلم من الخمس سهم ذوي القربى كما أعطى بني هاشم ، ولم يعط بني أمية دل ذلك على أنهم بمنزلة بني هاشم في تحريم الصدقة . قيل له : إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعطهم للقرابة فحسب ؛ لأنه لما قال عثمان بن عفان ، وجبير بن مطعم : يا رسول الله أما بنو هاشم فلا ننكر فضلهم لقربهم منك ، وأما بنو المطلب فنحن ، وهم في النسب شيء واحد فأعطيتهم ، ولم تعطنا فقال صلى الله عليه وسلم : إن بني المطلب لم تفارقني في جاهلية ، ولا إسلام ، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه لم يعطهم بالقرابة فحسب بل بالنصرة والقرابة ، ولو كانت إجابتهم إياه ونصرتهم له في الجاهلية والإسلام أصلا لتحريم الصدقة لوجب أن يخرج منها آل أبي لهب ، وبعض آل الحارث بن عبد المطلب من أهل بيته لأنهم لم يجيبوه ، وينبغي أن لا تحرم على من ولد في الإسلام من بني أمية لأنهم لم يخالفوه ، وهذا ساقط ، وأيضا فإن سهم الخمس إنما يستحقه خاص منهم ، وهو موكول إلى اجتهاد الإمام ورأيه ، ولم يثبت خصوص تحريم الصدقة في بعض آل النبي صلى الله عليه وسلم . وأيضا فليس استحقاق سهم من الخمس أصلا لتحريم الصدقة ؛ لأن اليتامى والمساكين وابن السبيل يستحقون سهما من الخمس ، ولم تحرم عليهم الصدقة ، فدل على أن استحقاق سهم من الخمس ليس بأصل في تحريم الصدقة .

واختلف في الصدقة على موالي بني هاشم وهل أريدوا بآية الصدقة ، فقال أصحابنا والثوري : { مواليهم بمنزلتهم في تحريم الصدقات المفروضات عليهم } وقال مالك بن أنس : { لا بأس بأن يعطى مواليهم } . والذي يدل على القول الأول حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم استعمل أرقم بن أرقم الزهري على الصدقة ، فاستتبع أبا رافع ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الصدقة حرام على محمد ، وآل محمد ، وإن مولى القوم من أنفسهم . وروي عن عطاء بن السائب عن أم كلثوم بنت علي عن مولى لهم يقال له هرمز أو كيسان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له : يا أبا فلان إنا أهل بيت لا نأكل الصدقة ، وإن مولى القوم من أنفسهم فلا تأكل الصدقة . وأيضا لما قال النبي صلى الله عليه وسلم : الولاء لحمة كلحمة النسب ، وكانت الصدقة محرمة على من قرب نسبه من النبي صلى الله عليه وسلم وهم بنو هاشم وجب أن يكون مواليهم بمثابتهم ، إذ كان النبي صلى الله عليه وسلم قد جعله لحمة كالنسب .

واختلف في جواز أخذ بني هاشم [ ص: 337 ] للعمالة من الصدقة إذا عملوا عليها ، فقال أبو يوسف ومحمد من غير خلاف ذكراه عن أبي حنيفة : { لا يجوز أن يعمل على الصدقة أحد من بني هاشم ولا يأخذ عمالته منها } ، قال محمد : { وإنما يصنع ما كان يأخذه علي بن أبي طالب رضي الله عنه في خروجه إلى اليمن على أنه كان يأخذ من غير الصدقة } . قال أبو بكر : يعني بقوله : { لا يعمل على الصدقة } على معنى أنه يعملها ليأخذ عمالتها ، فأما إذا عمل عليها متبرعا على أن لا يأخذ شيئا فهذا لا خلاف بين أهل العلم في جوازه . وقال آخرون : { لا بأس بالعمالة لهم من الصدقة } .

والدليل على صحة القول الأول ما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال : حدثنا علي بن محمد قال : حدثنا مسدد قال : حدثنا معمر قال : سمعت أبي يحدث عن جيش عن عكرمة عن ابن عباس قال : بعث نوفل بن الحارث ابنيه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : انطلقا إلى عمكما لعله يستعملكما على الصدقة ، فجاءا فحدثا نبي الله صلى الله عليه وسلم بحاجتهما ، فقال لهما نبي الله صلى الله عليه وسلم : لا يحل لكم أهل البيت من الصدقات شيء ؛ لأنها غسالة الأيدي ، إن لكم في خمس الخمس ما يغنيكما أو يكفيكما . وروي عن علي أنه قال للعباس سل النبي صلى الله عليه وسلم أن يستعملك على الصدقة ، فسأله فقال : ما كنت لأستعملك على غسالة ذنوب الناس وروى الفضل بن العباس ، وعبد المطلب بن ربيعة بن الحارث سألا النبي صلى الله عليه وسلم أن يستعملهما على الصدقة ليصيبا منها ، فقال : إن الصدقة لا تحل لآل محمد فمنعهما أخذ العمالة ، ومنع أبا رافع ذلك أيضا ، وقال : مولى القوم منهم . واحتج المبيحون لذلك بأن النبي صلى الله عليه وسلم بعث عليا إلى اليمن على الصدقة رواه جابر وأبو سعيد جميعا . ومعلوم أنه قد كانت ولايته على الصدقات وغيرها ، ولا حجة في هذا لهم ؛ لأنه لم يذكر أن عليا أخذ عمالته منها ، وقد قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم : خذ من أموالهم صدقة ومعلوم أنه صلى الله عليه وسلم لم يكن يأخذ من الصدقة عمالة ، وقد كان علي بن أبي طالب حين خرج إلى اليمن فولي القضاء والحرب بها ، فجائز أن يكون أخذ رزقه من مال الفيء لا من جهة الصدقة .

فإن قيل فقد يجوز أن يأخذ الغني عمالته منها ، وإن لم تحل له الصدقة فكذلك بنو هاشم . قيل له : لأن الغني من أهل هذه الصدقة لو افتقر أخذ منها ، والهاشمي لا يأخذ منها بحال فإن قيل : إن العامل لا يأخذ عمالته صدقة ، وإنما يأخذ أجرة لعمله كما روي أن بريرة كانت تهدي للنبي صلى الله عليه وسلم مما يتصدق به عليها ، ويقول صلى الله عليه وسلم : هي لها صدقة ولنا هدية . قيل له : الفصل بينهما أن الصدقة كانت تحصل في ملك بريرة ثم تهديها للنبي صلى الله عليه وسلم فكان بين ملك المتصدق وبين ملك النبي [ ص: 338 ] صلى الله عليه وسلم واسطة ملك آخر ، وليس بين ملك المأخوذ منه وبين ملك العامل واسطة ؛ لأنها لا تحصل في ملك الفقراء حتى يأخذها العامل

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث