الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
قوله تعالى : ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة العدة ما يعده الإنسان ويهيئه لما يفعله في المستقبل ، وهو نظير الأهبة وهذا يدل على وجوب الاستعداد للجهاد قبل وقت وقوعه ، وهو كقوله : وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل وقوله تعالى : ولكن كره الله انبعاثهم يعني خروجهم كان يقع على وجه الفساد وتخذيل المسلمين وتخويفهم من العدو والتضريب بينهم ، والخروج [ ص: 320 ] على هذا الوجه معصية وكفر ، فكرهه الله تعالى وثبطهم عنه إذ كان معصية ، والله لا يحب الفساد . وقوله تعالى : وقيل اقعدوا مع القاعدين أي مع النساء والصبيان . وجائز أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم : اقعدوا مع القاعدين وجائز أن يكون قاله بعضهم لبعض . قوله تعالى : لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا الآية . فيه بيان وجه خروجهم لو خرجوا ، وإخبار أن المصلحة للمسلمين كانت في تخلفهم ، وهذا يدل على أن معاتبة الله لنبيه صلى الله عليه وسلم في قوله : لم أذنت لهم أن الله علم أنه لو لم يأذن لهم لم يخرجوا أيضا فيظهر للمسلمين كذبهم ونفاقهم ، وقد أخبر الله تعالى أن خروجهم لو خرجوا على هذا الوجه كان يكون معصية وفسادا على المؤمنين . وقوله : ما زادوكم إلا خبالا والخبال الاضطراب في الرأي ، فأخبر الله تعالى أنهم لو خرجوا لسعوا بين المؤمنين في التضريب وإفساد القلوب والتخذيل عن العدو ، فكان ذلك يوجب اضطراب آرائهم .

فإن قال قائل : لم قال : ما زادوكم إلا خبالا ولم يكونوا على خبال يزاد فيه ؟ قيل له : يحتمل وجهين :

أحدهما : أنه استثناء منقطع ، تقديره : ما زادوكم قوة لكن طلبوا لكم الخبال . والآخر : أنه يحتمل أن يكون قوم منهم قد كانوا على خبال في الرأي لما يعرض في النفوس من التلون إلى أن استقر على الصواب ، فيقويه هؤلاء حتى يصير خبالا معدولا به عن صواب الرأي .

قوله تعالى : ولأوضعوا خلالكم قال الحسن : { ولأوضعوا خلالكم بالنميمة لإفساد ذات بينكم } . وقوله تعالى : يبغونكم الفتنة فإن الفتنة هاهنا المحنة باختلاف الكلمة والفرقة ، ويجوز أن يريد به الكفر ؛ لأنه يسمى بهذا الاسم لقوله تعالى : وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة وقوله : والفتنة أشد من القتل وقوله : وفيكم سماعون لهم قال الحسن ومجاهد : { عيون منهم ينقلون إليهم ما يسمعون منكم } . وقال قتادة وابن إسحاق : { قابلون منهم عند سماع قولهم } . قوله تعالى : لقد ابتغوا الفتنة من قبل يعني طلبوا الفتنة ، وهي هاهنا الاختلاف الموجب للفرقة بعد الألفة . وقوله تعالى : وقلبوا لك الأمور يعني به تصريف الأمور ، وتقليبها ظهرا لبطن طلبا لوجه الحيلة والمكيدة في إطفاء نوره وإبطال أمره ، فأبى الله تعالى إلا إظهار دينه وإعزاز نبيه وعصمه من كيدهم وحيلهم .

قوله تعالى : ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني قال ابن عباس ومجاهد : { نزلت في الجد بن قيس قال ائذن لي ولا تفتني ببنات بني الأصفر فإني مستهتر بالنساء ، وكان ذلك حين دعاهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى غزاة تبوك } ، وقال الحسن وقتادة وأبو عبيدة : لا تؤثمني بالعصيان [ ص: 321 ] في المخالفة التي توجب الفرقة . قوله تعالى : قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا .

روي عن الحسن : كل ما يصيبنا من خير وشر فهو ما كتبه الله في اللوح المحفوظ فليس على ما يتوهمه الكفار من إهمالنا من غير أن يرجع أمرنا إلى تدبير ربنا . وقيل : { لن يصيبنا في عاقبة أمرنا إلا ما كتب الله لنا من النصر الذي وعدنا } . قوله تعالى : قل أنفقوا طوعا أو كرها لن يتقبل منكم صيغته صيغة الأمر ، والمراد البيان عن التمكين من الطاعة والمعصية ، كقوله : فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر وقيل : معناه الخبر الذي يدخل فيه { إن } للجزاء ، كما قال كثير :

أسيئي بنا أو أحسني لا ملومة لدينا ولا مقلية إن تقلت

ومعناه : إن أحسنت أو أسأت لم تلامي . قوله تعالى : فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا قيل فيه ثلاثة أوجه : قال ابن عباس وقتادة : فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم في الحياة الدنيا إنما يريد الله ليعذبهم بها في الآخرة فكان ذلك عندهما على تقديم الكلام وتأخيره . وقال الحسن : { ليعذبهم في الزكاة بالإنفاق في سبيل الله } . وقال آخرون : { يعذبهم بها بالمصائب } . وقيل : { قد يكون صفة الكفار بالسبي وغنيمة الأموال } . وهذه { اللام } التي في قوله ليعذبهم هي لام العاقبة ، كقوله تعالى : ليكون لهم عدوا وحزنا

التالي السابق


الخدمات العلمية