الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب دفع الصدقات إلى صنف واحد

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

وقوله تعالى : خذ من أموالهم صدقة يدل على أن أخذ الصدقات إلى الإمام ، وأنه متى أداها من وجبت عليه إلى المساكين لم يجزه ؛ لأن حق الإمام قائم في أخذها فلا سبيل له إلى إسقاطه ، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يوجه العمال على صدقات المواشي ويأمرهم بأن يأخذوها على المياه في مواضعها ، وهذا معنى ما شرطه النبي صلى الله عليه وسلم لوفد ثقيف بأن لا يحشروا ولا يعشروا ، يعني لا يكلفون إحضار المواشي إلى المصدق ولكن المصدق يدور عليهم في مياههم ومظان مواشيهم فيأخذها منهم ، وكذلك صدقة الثمار .

وأما زكوات الأموال فقد كانت تحمل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان فقال : هذا شهر زكواتكم فمن كان عليه دين فليؤده ثم ليزك بقية ماله " فجعل لهم أداءها إلى المساكين ، وسقط من أجل ذلك حق الإمام في أخذها ؛ لأنه عقد عقده إمام من أئمة العدل ، فهو نافذ على الأمة لقوله صلى الله عليه وسلم : ويعقد عليهم أولهم ، ولم يبلغنا أنه بعث سعاة على زكوات الأموال كما بعثهم [ ص: 365 ] على صدقات المواشي والثمار في ذلك ؛ لأن سائر الأموال غير ظاهرة للإمام ، وإنما تكون مخبوءة في الدور ، والحوانيت ، والمواضع الحريزة ، ولم يكن جائزا للسعاة دخول أحرازهم ولم يجز أن يكلفوهم إحضارها كما لم يكلفوا إحضار المواشي إلى العامل ، بل كان على العامل حضور موضع المال في مواضعه وأخذ صدقته هناك ، فلذلك لم يبعث على زكوات الأموال السعاة ، فكانوا يحملونها إلى الإمام ، وكان قولهم مقبولا فيها ، ولما ظهرت هذه الأموال عند التصرف بها في البلدان أشبهت المواشي فنصب عليها عمال يأخذون منها ما وجب من الزكاة ، ولذلك كتب عمر بن عبد العزيز إلى عماله أن يأخذوا مما يمر به المسلم من التجارات من كل عشرين دينارا نصف دينار ومما يمر به الذمي يؤخذ منه من كل عشرين دينارا دينار ، ثم لا يؤخذ منه شيء إلا بعد حول ، أخبرني بذلك من سمع النبي صلى الله عليه وسلم

وكتب عمر بن الخطاب إلى عماله أن يأخذوا من المسلم ربع العشر ومن الذمي نصف العشر ومن الحربي العشر وما يؤخذ من المسلم من ذلك فهو الزكاة الواجبة تعتبر فيها شرائط وجوبها من حول ونصاب وصحة ملك ، فإن لم تكن الزكاة قد وجبت عليه لم تؤخذ منه ،

فاحتذى عمر بن الخطاب في ذلك فعل النبي صلى الله عليه وسلم في صدقات المواشي وعشور الثمار والزروع ، إذ قد صارت أموالا ظاهرة يختلف بها في دار الإسلام كظهور المواشي السائمة والزروع والثمار ، ولم ينكر عليه أحد من الصحابة ولا خالفه ، فصار إجماعا مع ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عمر بن عبد العزيز الذي ذكرناه . فإن قيل : روى عطاء بن السائب عن جرير بن عبد الله عن جده أبي أمه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ليس على المسلمين عشور إنما العشور على أهل الذمة ، وروى حميد عن الحسن عن عثمان بن أبي العاص أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لوفد ثقيف : لا تحشروا ولا تعشروا ، وروى إسرائيل عن إبراهيم بن المهاجر عن عمرو بن حريث عن سعيد بن زيد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا معشر العرب احمدوا الله إذ دفع عنكم العشور .

وروي أن مسلم بن يسار قال لابن عمر : أكان عمر يعشر المسلمين ؟ قال : لا قيل له : ليس المراد بذكر هذه العشور الزكاة ، وإنما هو ما كان يأخذه أهل الجاهلية من المكس ، وهو الذي أريد في حديث محمد بن إسحاق عن يزيد بن أبي حبيب عن عبد الرحمن بن شماسة عن عقبة بن عامر قال : قال رسول الله : صلى الله عليه وسلم لا يدخل الجنة صاحب مكس يعني عاشرا ، وإياه عنى الشاعر بقوله : [ ص: 366 ]

وفي كل أموال العراق إتاوة وفي كل ما باع امرؤ مكس درهم

فالذي نفاه النبي صلى الله عليه وسلم من العشر هو المكس الذي كان يأخذه أهل الجاهلية

فأما الزكاة فليست بمكس ، وإنما هو حق وجب في ماله يأخذه الإمام فيضعه في أهله كما يأخذ صدقات المواشي وعشور الأرضين ، والخراج . وأيضا يجوز أن يكون الذي نفى أخذه من المسلمين ما يكون مأخوذا على وجه الصغار ، والجزية ؛ ولذلك قال : إنما العشور على أهل الذمة يعني ما يؤخذ على وجه الجزية ومن الناس من يحتج للفرق بين صدقات المواشي والزروع ، وبين زكوات الأموال أنه قال في الزكاة : وآتوا الزكاة ولم يشرط فيها أخذ الإمام لها ، وقال في الصدقات : خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وقال : إنما الصدقات للفقراء والمساكين إلى قوله : والعاملين عليها ونصب العامل عليها يدل على أنه غير جائز له إسقاط حق الإمام في أخذها .

وقال صلى الله عليه وسلم : أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم وأردها في فقرائكم ، فإنما شرط أخذه في الصدقات ولم يذكر مثله في الزكوات ، ومن يقول هذا يذهب إلى أن الزكاة ، وإن كانت صدقة ، فإن اسم الزكاة أخص بها ، والصدقة اسم يختص بالمواشي ونحوها ، فلما خص الزكاة بالأمر بالإيتاء دون أخذ الإمام وأمر في الصدقة بأن يأخذها الإمام وجب أن يكون أداء الزكوات موكولا إلى أرباب الأموال إلا ما يمر به على العاشر ، فإنه يأخذها باتفاق السلف ويكون أخذ الصدقات إلى الأئمة .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث