الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

( وإن قال لها : طلقي نفسك من ثلاث ما شئت فلها أن تطلق نفسها واحدة أو ثنتين ولا تطلق ثلاثا عند أبي حنيفة رحمه الله ، وقالا : تطلق ثلاثا إن شاءت ) لأن كلمة ما محكمة في التعميم وكلمة من قد تستعمل لتمييز فحمل على تمييز الجنس ، كما إذا قال : كل من طعامي ما شئت أو طلق من نسائي من شاءت . ولأبي حنيفة أن كلمة من حقيقة للتبعيض وما للتعميم فعمل بهما ، [ ص: 112 ] وفيما استشهدا به ترك التبعيض بدلالة إظهار السماحة أو لعموم الصفة وهي المشيئة ، حتى لو قال : من شئت كان على هذا الخلاف ، والله تعالى أعلم بالصواب

التالي السابق


( قوله وإن قال لها : طلقي نفسك من ثلاث ما شئت فلها أن تطلق نفسها واحدة وثنتين ) بالاتفاق . واختلفوا في الثلاث فلا تطلق عند أبي حنيفة ثلاثا ، وبه قال الشافعي وأحمد . وتطلق عندهما إن شاءت ( لأن كلمة ما محكمة في العموم وكلمة من قد تستعمل للتمييز ) أي للبيان كما في قوله تعالى { فاجتنبوا الرجس من الأوثان } وغيره صلة { ليغفر لكم من ذنوبكم } وتبعيضا نحو أكلت من الرغيف ( فيحمل على تمييز الجنس ) محافظة على عموم ما : أي بيان الجنس ; بخلاف ما لو حملت على التبعيض : يعني فيكون بيان أن المراد الثلاث من الطلاق دون سائر الأعداد منه وإن كان لا يتصور في الطلاق عدد إلا الثلاث فذاك شرعا ، أما في الإمكان فيمكن أن تطلق عشرين ومائة وغيرهما وإن كان حكمه في الشرع المنع ، فالمعنى طلقي نفسك العدد الذي هو الثلاث دون سائر الأعداد .

وعلى قولهما يكون التفويض في الثلاث خاصة فصحة تطليقها واحدة باعتبار ملكها ما دخلت فيه كما تقدم في طلقي نفسك ثلاثا ( كما لو قال : كل من طعامي ما شئت ) له أكل الكل ( وطلق من نسائي من شاءت ) فشئن كلهن له أن يطلقهن ، بخلاف ما إذا حملناها على التبعيض فإنه حينئذ يبطل عموم ما ( ولأبي حنيفة أن كلمة من حقيقة في التبعيض ) إذا دخل على ذي أبعاض والطلاق منه ( وما للتعميم فيعمل بهما ) بمن في معناها في مثله وبما في عموم مخصوص ضرورة إعمال من في معناها في مثله ، بخلاف حمل من على البيان فإن ضابطه صحة وضع الذي مكانها ووصله بمدخولها مع ضمير منفصل ، مثاله { فاجتنبوا الرجس من الأوثان } : أي الرجس الذي هو الأوثان ، ولا يحسن هنا طلقي نفسك [ ص: 112 ] ما شئت الذي هو الثلاث ، فإن ما موصول معرفة فلا بد من كون موصوفها معرفة وهو هنا العدد فانحل إلى طلقي نفسك العدد الذي شئته الذي هو الثلاث ويستلزم سبق العهد بالعدد الذي شاءته أو تشاؤه وأنه هو الثلاث فيكون التفويض ابتداء إنما هو في الثلاث ، وإنما تملك أن تطلق نفسها واحدة لأنها جزء ما ملكته بالتفويض كقوله طلقي نفسك ثلاثا لها أن تطلق واحدة ، وليس المعنى على هذا بخلاف التبعيض حيث لا يستلزم نبوة إذ المعنى طلقي نفسك عددا شئته ، على أن ما نكرة موصوفة ، فالجملة والجار والمجرور في موضع الحال من الضمير الرابط المحذوف قيد في العدد مزيل من إبهامه .



[ فروع ]

قال : أنت طالق ثلاثا إلا أن تشائي واحدة فشاءت واحدة طلقت واحدة . وقال محمد : لا يقع شيء لأن معناه إن لم تشائي واحدة فأنت طالق ثلاثا ، فإذا شاءت واحدة لا يقع شيء . ولأبي يوسف أنه أثبت لها مشيئة الواحدة فإذا شاءتها تقع . ولو قال : طلقها إن شاء الله وشئت وأنت طالق إن شاء الله وفلان أو ما شاء الله وفلان لا يقع بالمشيئة من فلان شيء لأنه عطف على باطل فيبطل ، ولو قال حين شئت فهو بمنزلة قوله طلقها إذا أو متى شئت لأن حين للوقت .



ولو قال : إن شئت فأنت طالق إذا شئت أو متى شئت فلها مشيئتان مشيئة في الحال ومشيئة في عموم الأحوال ، لأنه علق بمشيئتها في الحال طلاقا معلقا بمشيئتها في أي وقت شاءت ، فإذا شاءت في المجلس صار كأنه قال أنت طالق إذا شئت لأن المعلق كالمرسل عند الشرط .



ولو قال لامرأتيه : إذا شئتما فأنتما طالقان فشاءت إحداهما أو شاءتا طلاق إحداهما لا يقع لأن الشرط مشيئتهما طلاقهما ولم يوجد .



ولو قال لاثنين إن شئتما فهي طالق ثلاثا فشاء أحدهما واحدة والآخر ثنتين لم يقع شيء ، لأن الشرط مشيئتهما الثلاث ، بخلاف ما لو قال لهما طلقاها ثلاثا فطلقها أحدهما واحدة والآخر ثنتين وقع الثلاث لأن كل واحد ينفرد بإيقاع الثلاث فيصح إيقاعه لبعضها .



ولو قال : إن شئت فأنت طالق ثم قال لأخرى طلاقك مع طلاق هذه وقع عليهما بمشيئة الأولى إن نوى الزوج وإلا فلا ، لأنه يحتمل طلاقك مع طلاق هذه في الوقوع ويحتمل في الملك : أي كلاهما مملوكان لي فأيهما نوى صدق .



ولو قال : طالق إن شئت وأبيت أو إن شئت ولم تشائي لم تطلق أبدا لأنه جعل المشيئة والإباء شرطا واحدا ولا يمكن اجتماعهما . ولو قال : إن شئت وإن لم تشائي فشاءت في المجلس طلقت ، ولو قامت بلا مشيئة تطلق أيضا كما لو قال : إن دخلت أو لم تدخلي . أما لو أخر الطلاق فقال إن شئت وإن لم تشائي فأنت طالق لا تطلق أبدا .



ولو قال : أنت طالق إن شئت وإن أبيت ، فإن شاءت يقع وإن أبت يقع ، وإن سكتت حتى قامت من المجلس لا يقع . وكذا إن شئت أو أبيت . وفي طالق إن أبيت أو كرهت طلاقك فقالت : أبيت تطلق .



ولو قال : إن لم تشائي طلاقك فأنت طالق فقالت : لا أشاء لا تطلق لأن لفظ أبيت لإيجاد الفعل الذي هو الإباء وقد وجد ، وأما لفظ لم تشائي فللعدم لا للإيجاد وعدم المشيئة لا يتحقق بقولها لا أشاء لأن لها أن تشاء من بعد وإنما يتحقق بالموت وفي أنت طالق واحدة إن شئت فقالت : شئت نصف واحدة لم تطلق عند أبي يوسف .



ولو قال لها : طلقي نفسك وقال لها آخر أعتقي عبدك فبدأت بعتق العبد خرج الأمر من يدها ، ولو كان الآمر بالعتق زوجها فبدأت بالعتق لا يبطل [ ص: 113 ] خيارها في الطلاق . وعنه لو قال لها : أنت طالق إن شئت للسنة واحدة فلها المشيئة الساعة لا عند الطهر ، فإن شاءت الساعة وقعت عند الطهر . وعلى قياس قول أبي حنيفة إن كانت حائضا فلها المشيئة حين تطهر على إحدى الروايتين عنه فإنه ذكر في باب المشيئة من طلاق الأصل



لو قال : إن شئت فأنت طالق غدا فالمشيئة إليها للحال ، بخلاف أنت طالق غدا إن شئت فإن المشيئة إليها في الغد ، وهذا عند أبي حنيفة ومحمد . وقال أبو يوسف : المشيئة إليها في الغد في الفصلين . وقال زفر : المشيئة للحال فيهما . وذكر في الأمالي الخلاف بين أبي حنيفة وأبي يوسف على العكس . وفي المنتقى برواية بشر عن أبي يوسف عن أبي حنيفة إذا قال : أنت طالق غدا إن شئت أو أنت طالق إن شئت غدا لها المشيئة غدا وقالا : إن قدم المشيئة على الغد فلها المشيئة للحال ، وإن أخرها فلها المشيئة غدا . وفرع على هذا لو قال : اختاري غدا إن شئت أو اختاري إن شئت غدا ، أو أمرك بيدك غدا إن شئت أو أمرك بيدك إن شئت غدا فالمشيئة في الغد في الحالين عند أبي حنيفة ، وكذا إذا قال : طلقي نفسك غدا إن شئت أو طلقي نفسك إن شئت غدا أو إن شئت فطلقي نفسك غدا لم يكن لها أن تطلق نفسها إلا في الغد عنده ، وقالا : إن قدم المشيئة فلها أن تطلق نفسها فتقول في الحال طلقت نفسي غدا . والمذكور في الكافي وشرح الصدر الشهيد أنت غدا طالق إن شئت فقالت : الساعة شئت كان باطلا ، إنما لها المشيئة في الغد ، بخلاف قوله إن شئت فأنت طالق غدا فإن لها المشيئة في مجلسها لأن في الثاني علق بالمشيئة طلاقا مضافا إلى غد .



ولو علق بالمشيئة طلاقا منجزا تعتبر المشيئة حالا حتى لو قامت بطلت مشيئتها ، فكذا إذا علق بها طلاقا مضافا . وفي الأول بدأ بإضافة الطلاق إلى الغد ثم جعل ذلك معلقا بمشيئتها فتراعى المشيئة في ذلك الوقت . وروى أبو يوسف عن أبي حنيفة أن في الفصلين تراعى المشيئة في غد وعند زفر تعتبر المشيئة فيهما حالا



ولو قال لها : أنت طالق إذا شئت إن شئت أو أنت طالق إن شئت إذا شئت فهما سواء تطلق نفسها متى شاءت . وعند أبي يوسف إن أخر قوله إن شئت فكذلك وإن قدمه تعتبر المشيئة في الحال ، فإن شاءت في المجلس تطلق نفسها بعد ذلك إذا شاءت . ولو قامت من المجلس قبل أن تقول شيئا بطل . وقال شمس الأئمة فيما قدمنا من أن إن شئت فأنت طالق إذا شئت هنا مشيئتان الأولى على المجلس والأخرى مطلقة إليها معلقة بالمؤقتة ، فمتى شاءت بعد هذا طلقت ، قال : وإن لم تقل شئت حتى قامت من المجلس فلا مشيئة لها ، ولا فرق بين أن يقول : إن شئت الساعة أو لم يذكر الساعة .



ولو قال : أنت طالق وطالق وطالق إن شاء زيد فقال زيد : شئت واحدة لا يقع شيء لأنه ما شاء الثلاث ، وكذا لو قال : شئت أربعا . ولو قال : أنت طالق إن شئت واحدة وإن شئت اثنتين فقالت : شئت وقع الثلاث . ولو قال : اخرجي إن شئت ينوي به الطلاق فشاءت ولم تخرج وقع نظيره قالت لزوجها : طلقني وطلقني وطلقني فقال الزوج : طلقت فهي ثلاث . ولو قالت : طلقني طلقني طلقني بلا واو فطلق ، فإن نوى واحدة فهي واحدة وإن نوى ثلاثا فثلاث . .



ولو قالت لزوجها : أريد أن أطلق نفسي ؟ فقال الزوج : نعم فقالت : طلقت ينظر إن نوى الزوج التفويض وقع وإن نوى الرد : يعني طلقي إن استطعت لا يقع .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث