الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب العنين وغيره

جزء التالي صفحة
السابق

فإذا مضت المدة ولم يصل إليها تبين أن العجز بآفة أصلية ففات الإمساك بالمعروف ووجب عليه التسريح بالإحسان ، فإذا امتنع ناب القاضي منابه ففرق بينهما [ ص: 299 ] ولا بد من طلبها لأن التفريق حقها [ ص: 300 ] ( وتلك الفرقة تطليقة بائنة ) لأن فعل القاضي أضيف إلى الزوج فكأنه طلقها بنفسه . وقال الشافعي : هو فسخ لكن النكاح لا يقبل الفسخ عندنا ، وإنما تقع بائنة لأن المقصود وهو دفع الظلم عنها لا يحصل إلا بها لأنها لو لم تكن بائنة تعود معلقة بالمراجعة .

التالي السابق


( قوله فإذا مضت السنة ولم يصل إليها عرف أن ذلك بآفة أصلية ) وفيه نظر ، فإن ظاهره أن موجب التفريق كونه من علة أصلية [ ص: 299 ] والسنة ضربت لتعريفه وهو ممنوع ، إذ لا يلزم من عدم الوصول إليها سنة كون ذلك لآفة أصلية في الخلقة ، إذ المرض قد يمتد سنة ، وأيضا مما له حكم العنين المسحور ، ومقتضى السحر مما قد يمتد السنين وبمضي السنة يفرق بينهما إذا طلبت ذلك مع العلم بعدم الآفة الأصلية لغرض العلم بأنه يصل إلى غيرها من النساء .

فالحق أن التفريق منوط إما بغلبة ظن عدم زواله لزمانته أو للأصلية ، ومضي السنة مع عدم الوصول موجب لذلك ، أو هو عدم إيفاء حقها فقط بأي طريق كان ، والسنة جعلت غاية في الصبر وإبلاء العذر شرعا ، حتى لو غلب على الظن بعد انقضائها قرب زواله وقال بعد مضي السنة أجلني يوما لا يجيبه إلى ذلك إلا برضاها ، فلو رضيت ثم رجعت كان لها ذلك ويبطل الأجل لأن السنة غاية في إبلاء العذر . وقال لبيد لابنتيه حين حضرته الوفاة :

تمنى ابنتاي أن يعيش أبوهما وهل أنا إلا من ربيعة أو مضر     فقوما وقولا بالذي قد علمتما
ولا تخمشا وجها ولا تحلقا الشعر     إلى الحول ثم اسم السلام عليكما
ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر



( قوله ولا بد من طلبها ) هذا إذا كانت حرة غير رتقاء ، فإن كانت رتقاء فلا حق لها في الفرقة ، وإن كانت أمة فالطلب عند أبي يوسف لها ، وعند أبي حنيفة لسيدها . وهو فرع مسألة الإذن في العزل . وقيل محمد مع أبي يوسف وقد مرت ، ولا يسقط حقها في طلب الفرقة بتأخير المرافعة قبل الأجل ولا بعد انقضاء السنة بعد التأجيل مهما أخرت ، لأن ذلك قد يكون للتجربة وترجي الوصول لا بالرضا بالمقام على ذلك أبدا فلا يبطل حقها بالشك ، ولو وجدت كبيرة زوجها الصغير عنينا ينتظر بلوغه لأن للصبا أثرا في عدم الشهوة . قال قاضي خان : الغلام الذي بلغ أربع عشرة سنة إذا لم يصل إلى امرأته ويصل إلى غيرها يؤجل .

ولو وجدت زوجها المجنون عنينا فخاصم عنه وليه يؤجل لسنة لأن الجنون لا يعدم الشهوة ، بخلاف ما لو وجدته مجبوبا وطلبت الفرقة ممن يخاصم عنه وليه فإنه لا فائدة في انتظار بلوغه فيجعل وليه خصما وإلا نصب القاضي عنه خصما وفرق للحال .

ولو جاء الولي في المسألتين ببينة على رضاها بعنته وجبه أو على علمها بحاله عند العقد لزم النكاح ولا يفرق بينهما ، ولو طلب يمينها على ذلك تحلف ، فإن نكلت لم يفرق وإلا فرق ، ولو وكلت الكبيرة بالتفريق وغابت هل يفرق بطلب الوكيل ؟ لم يذكره محمد واختلفوا فيه ، ولو اختلفا في الجب فادعته فأنكره يريه رجلا ، فإن أمكن علمه به بالجس من وراء ثوب لا يكشف عورته ، وإن لم يتيقن بذلك إلا بكشفها للضرورة .

ولو جاءت امرأة المجبوب بولد بعد الفرقة إلى سنتين ثبت نسبه منه ولا يبطل التفريق ، بخلافه في العنين حيث ثبت نسبه ويبطل التفريق . ذكره في الغاية . قال في شرح الكنز : وفيه نظر ، لأنه وقع الطلاق بتفريقه وهو بائن فكيف يبطل بعد وقوعه ; ألا يرى أنها لو أقرت بعد الفرقة أنه كان قد وصل إليها لا يبطل التفريق انتهى .

لكن وجه التفرقة يبعد هذا البحث ، وهو أن التفريق بناء على ثبوت العنة والجب ، وثبوت النسب من المجبوب وهو مجبوب ، بخلاف [ ص: 300 ] ثبوته من العنين فإن بثبوت النسب منه يثبت أنه ليس بعنين فيظهر بطلان معنى الفرقة ، بخلاف إقرارها بعد المدة بالوطء لاحتمال الكذب بل هي به مناقضة فلا يبطل القضاء بالفرقة .

ولو كانت زوجة العنين أو المجبوب صغيرة لا يفرق بينهما بل ينتظر بلوغها لاحتمال أن ترضى به إذا بلغت ، وإذا رضيت قبل التأجيل أو بعده قبل انقضاء السنة أو بعدها سقط حقها وليس لها المطالبة بالفرقة بعد ذلك ، ولو كان الزوج يجامع ولا ينزل لجفاف مائه لم يكن لها طلب الفرقة ( قوله وتلك الفرقة تطليقة بائنة ) وهو قول مالك والثوري وغيرهما . وقال الشافعي وأحمد رحمهما الله : فسخ لأنها من جهتها ، وقاس الماوردي على الفرقة بالجب . قلنا : بل من جهته فإنه وجب عليه التسريح بالإحسان حين عجز عن الإمساك بالمعروف ، فإذا امتنع كان ظالما فناب القاضي عنه فيه فيضاف فعله إليه ، والقياس على الجب ممنوع لأن الفرقة بسببه عندنا أيضا طلاق .

( قوله لكن النكاح لا يقبل الفسخ عندنا ) أي النكاح الصحيح التام النافذ اللازم لأنه النكاح المطلق فخرج الفاسد والموقوف والفسخ بعدم الكفاءة وخيار العتق والبلوغ فسخ قبل التمام فكان في معنى الامتناع من الإتمام ، بخلاف ما نحن فيه لأنه فرقة بعد التمام فلا يقبلها كما لا يقبل الفسخ بالإقالة ، وقد ذكرنا في رواية أبي حنيفة عن عمر رضي الله عنه أنه جعلها تطليقة بائنة ولها كمال المهر للخلوة الصحيحة ; لأن خلوة العنين صحيحة ، إذ لا وقوف على حقيقة العنة لجواز أن يمتنع من الوطء اختيارا تعنتا فيدار الحكم على سلامة الآلة ولا يحل ترك وطئها ، ولو تزوجها بعد ذلك لا خيار لها لأنها رضيت حيث نكحته بعد العلم بالحال ; ولو تزوجت به أخرى عالمة بحاله ففي الأصل كذلك يكون رضا ، وعليه الفتوى . وقيل : لا يكون رضا لجواز تأميلها برأه . ودفع بأنه احتمال بعيد بعد أن لم يبرأ في أكثر من سنة ، فالظاهر لزومه وزمانته فتكون بالتزوج به راضية بالعيب .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث