الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

والأقراء الحيض عندنا . وقال الشافعي : الأطهار واللفظ حقيقة فيهما إذ هو من الأضداد ، كذا قاله ابن السكيت ولا ينتظمهما جملة للاشتراك [ ص: 309 ] والحمل على الحيض أولى ، إما عملا بلفظ الجمع ، لأنه لو حمل على الأطهار والطلاق يوقع في طهر لم يبق جمعا ، أو لأنه معرف لبراءة الرحم وهو المقصود ، أو لقوله عليه الصلاة والسلام { وعدة الأمة حيضتان } فيلتحق بيانا به

التالي السابق


( قوله والأقراء الحيض عندنا ، وقال الشافعي الأطهار ) وقول الشافعي قول مالك ، ونقل عن عائشة وابن عمر وزيد بن ثابت وقولنا : هو قول الخلفاء الراشدين والعبادلة وأبي بن كعب ومعاذ بن جبل وأبي الدرداء وعبادة بن الصامت وزيد بن ثابت وأبي موسى الأشعري ، وزاد أبو داود والنسائي معبدا الجهني ، وما ذكرناه أنه قول العبادلة بناء على أنه ثبت عن ابن عمر فتعارض عنه النقل ، وممن رواه عنه الطحاوي ، وثبته عنه بعض الحفاظ من الحنابلة ، وأسند الطحاوي إلى قبيصة بن ذؤيب أنه سمع زيد بن ثابت يقول : عدة الأمة حيضتان ، فعارض روايتهم عن زيد أيضا ، وبه قال سعيد بن المسيب وابن جبير وعطاء وطاوس وعكرمة ومجاهد وقتادة والضحاك والحسنان بن حيي والبصري ومقاتل وشريك القاضي والثوري والأوزاعي وابن شبرمة وربيعة والسدي وأبو عبيدة وإسحاق وإليه رجع أحمد . وقال محمد بن الحسن في موطئه : حدثنا عيسى بن أبي عيسى الخياط المدني عن الشعبي عن ثلاثة عشر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كلهم قال : الرجل أحق بامرأته حتى تغتسل من الحيضة الثالثة . وهذا الإطلاق إنما يصح منهم إذا كانت الحيض لا الطهر ، إلا إذا كان طلقها في الحيض ، فأما الطهر فيحتسب به فيلزم انقضاء العدة بالشروع في الحيضة الثالثة ، والطلاق في الطهر هو المعروف عندهم فعليه ينبني قولهم .

( قوله إذ هو من الأضداد ) استدلال على كونه حقيقة فيهما ، وهذا على طريقة أهل الأصول والفقه من [ ص: 309 ] عدم التجوز باسم الضد في الضد ، وقد وضع بعض أهل العقول من معرفات الاشتراك كون المفهومين متضادين . وأما على طريقة أهل الأدب فيجوز لغرض تمليح أو تهكم كما يقال للجبان أسد أو تفاؤل كالبصير على الأعمى إلا أنها بمعزل من إفادات الأحكام الشرعية فلم يعتبر فيها . وأما في خصوص هذا المقام فالاتفاق على الاشتراك وعلى أنه لم يعمم ، إنما الخلاف في تعيين المراد من المفهومين فلا حاجة إلى الاستدلال بعدم الانتظام على الاشتراك كما فعل المصنف وهو محل النزاع ، ولو استدل عليه بتضاد المفهومين كما استدل به على كونه حقيقة فيهما كان أحسن .

لا يقال : استدلاله على أنه حقيقة فيهما استدلال على الاشتراك . لأنا نقول : لا يلزم من كون اللفظ حقيقة في متعدد اشتراكه لفظا لجواز التواطؤ والتشكيك . لا يقال : ليس محل النزاع كما ذكرت للتضاد . لأنا نقول : إنما وافق من جعل تعميم المشترك على منع تعميمه أنه لا يمكن الجمع ، وليس يلزم من التضاد ذلك لجواز أن يراد كل من الحيض والطهر فتعتد بمضي ثلاثة أطهار وثلاث حيض إنما يمتنع إذا أريد تحقيقهما في زمن أحدهما .

( قوله والحمل على الحيض أولى ) ادعى الحقيقة في محل الخلاف واقتصر على دليل نفسه كأنه لعدم دليل معتمد لهم وذلك أن قولهم : القرء بمعنى الطهر هو الذي يجمع على قروء ، وأما بمعنى الحيض فإنما يجمع على أقراء دعوى لا دليل عليها ، وكونه وقع في شعر الأعشى كذلك حيث قال :

أفي كل عام أنت جاشم غزوة تشد لأقصاها عزيم عزائكا

[ ص: 310 ]

مورثة مالا وفي الحي رفعة     لما ضاع فيها من قروء نسائكا

أي من أطهارهن للشغل بالغزو عنهن لا يوجب القصر عليه .

وكذا الاستشهاد بقوله صلى الله عليه وسلم { دعي الصلاة أيام أقرائك } لا يوجبه .

فقد روى أبو داود والنسائي قوله صلى الله عليه وسلم لفاطمة بنت أبي حبيش { فانظري فإذا أتاك قرؤك فلا تصلي ، فإذا مر قرؤك فتطهري وصلي } وقال الراجز :

يا رب ذي ضغن وضب فارض     له قروء كقروء الحائض

يريد كحيض الحائض ، فإن المعنى أن عداوته تجتمع فتهيج كدم الحائض ، على أنه قد قيل في بيت الأعشى : إن المراد نفس الزمان : أي زمان الطهر ، فإن القرء يقال للزمان لغة كثيرا ، واستدلالهم بقوله صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عمر { مره فليراجعها ثم ليتركها حتى تطهر ثم ليطلقها إن شاء فتلك العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء } يعني بالأمر قوله تعالى { فطلقوهن لعدتهن } لا يصح لأنه بناء على أن اللام فيه بمعنى في وهو غير معهود في الاستعمال ، ويستلزم تقدم العدة على الطلاق أو مقارنة له لاقتضائه وقوعه في وقت العدة وقراءة لقبل عدتهن في صحيح مسلم تنفيه إذ أفادت أن اللام فيه مفيدة معنى استقبال عدتهن وهذا استعمال محقق من العربية يقال في التاريخ بإجماع العربية خرج لثلاث بقين ونحوه .

ويؤيده ما قال الطحاوي أن النبي صلى الله عليه وسلم خاطب ابن عمر بذلك ، ومذهب ابن عمر أن الأقراء الحيض فلم يفهم أنها الأطهار ، وهذا بناء على ما بيناه عنه من خلاف ما نقلوه عنه ذكرناه آنفا ، وتمسكهم بتأنيث العدد في قوله تعالى { ثلاثة قروء } وهو يقتضي تذكير المعدود والطهر هو المذكر لا الحيض ، فلو أريد الحيض لقيل : ثلاث قروء ليس بشيء لأن الشيء إذا كان له اسمان مذكر كالبر والحنطة ولا تأنيث حقيقي يؤنث عدده إذا أضيف إلى اللفظ المذكر ويذكر إذا أضيف إلى المؤنث ، وفي العربية إذا كان المعدود مؤنثا واللفظ مذكرا أو بالعكس فوجهان ، وما نحن فيه كذلك ، فإن للدم اسمين مذكرا وهو القرء ومؤنثا وهو الحيض فحين أضيف إلى المذكر أنث ، وكذا على الأصل الآخر فإن الدم مذكر والقرء مذكر فيؤنث عدده .

ثم ذكر المصنف ثلاثة أوجه : الأول قوله ( عملا بلفظ الجمع ) : أي العدد فإنه جمع معنى لا صيغة ، أو يريد الجمع الصيغي المقرون بالعدد تنصيصا على المراد بكميته : أعني لفظ قروء المقيدة بثلاثة فإنه منقطع عنه احتمال أن يراد به غير الكمية العددية المذكورة لو كانت من كميات الجموع ، فكيف بالكمية التي ليست حقيقة الجمع وهي اللازمة من حمله على الأطهار حيث يصير طهرين وبعض الثالث إذا وقع في الطهر وإلا لزم إحداث قول ثالث ، إذ كل من قال : إنه الطهر قال : تحتسب بالطهر الذي وقع فيه الطلاق وهو نقص عن التقدير القطعي الدلالة والثبوت ، بخلاف ما إذا حمل على الحيض ، فإنه لو وقع الطلاق في الحيض لا يحتسب بتلك [ ص: 311 ] الحيضة فتكمل الثلاث فيتحقق فيه حقيقة العدد وزيادة تثبت ضرورة التكميل وهو جائز ، إذ لا يمكن التوصل إلى حقيقة إقامة الواجب إلا بها ، بخلاف طهرين وبعض الثالث فإنه لم يتحقق فيه حقيقته أصلا .

لا يقال : قد أريد بالعدد غير كميته المفادة به في قوله تعالى { إن تستغفر لهم سبعين مرة } لأنا نقول : لم يرد بالعدد عدد آخر مباين له بل مجرد التكثير ، وأين هذا من أن يراد بسبعين مثلا ثمانون أو مائة .

الثاني : قوله ولأنه أي الحيض هو المعرف بالذات لبراءة الرحم ، بخلاف الطهر لأنه وإن دل فبواسطة الحيض الذي يستلزمه لأنه هو المفيد لعدم انسداد فم الرحم بالحبل إذ لو انسد به لم تحض عادة ، ولذا نص عليه الصلاة والسلام أن مفيد البراءة الحيض حيث قال في السبايا { حتى يستبرئن بحيضة } ولم يقل بطهر .

الثالث هو قوله صلى الله عليه وسلم { طلاق الأمة تطليقتان وعدتها حيضتان } وتقدم في باب الطلاق تخريجه . وأسند الشافعي : حدثنا سفيان بن عيينة عن محمد بن عبد الرحمن مولى أبي طلحة عن سليمان بن يسار عن عبد الله بن عتبة عن عمر رضي الله عنه قال : ينكح العبد امرأتين ويطلق تطليقتين وتعتد الأمة حيضتين ، فإن لم تكن تحيض فشهرين أو شهرا ونصفا . وكذا رواه الدارقطني . والإجماع على أنها لا تخالف الحرة فيما به الاعتداد بل في الكمية فيلتحق قوله تعالى { ثلاثة قروء } للإجمال الكائن بالاشتراك بيانا له .

ومن الأدلة الظاهرة فيه قوله تعالى { واللائي يئسن من المحيض من نسائكم } إلى قوله { فعدتهن ثلاثة أشهر } إذ لا شك في أن الاعتداد بالأقراء أصل والأشهر خلف عنه إنما يصار إليه عند عدمها ، فلما علق سبحانه وتعالى المصير إليه بعدم الحيض دل أن الحيض هو المراد بالأقراء في الآية وكونه ينعدم الطهر بعدم الحيض ، فالتعليق بعدم الحيض إنما هو لعدم الطهر احتمال يقابله الظهور ، إذ الظاهر تعليق المصير إلى الخلف بعدم عين ما شرع أصلا لا بعدم شيء آخر يستلزمه ، فكان الأصل أن يقال : واللائي يئسن من القروء ، فلما جاء قوله تعالى بلفظ الحيض مكانه وهو مشترك علم أنه لإفادة أنه هو .



[ فرع ]

تنقضي عدة الطلاق البائن والثلاث بالوطء المحرم بأن وطئها وهي معتدة عالما بحرمتها ، بخلاف ما لو ادعى الشبهة أو كان منكرا إطلاقها فإنها تستقبل العدة ، وإذا كان منكرا حتى لم تنقض العدة ليس لها أن تطالبه بنفقة هذه العدة ، ولو طلقها في هذه العدة لا يقع ويحل له نكاح أختها .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث