الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل وعلى المبتوتة والمتوفى عنها زوجها إذا كانت بالغة مسلمة الحداد

جزء التالي صفحة
السابق

( ولا تختضب بالحناء ) لما روينا ( ولا تلبس ثوبا مصبوغا بعصفر ولا بزعفران ) لأنه يفوح منه رائحة الطيب . قال ( ولا حداد على كافرة ) لأنها غير مخاطبة بحقوق الشرع ( ولا على [ ص: 341 ] صغيرة ) لأن الخطاب موضوع عنها ( وعلى الأمة الإحداد ) لأنها مخاطبة بحقوق الله تعالى فيما ليس فيه إبطال حق المولى ، بخلاف المنع من الخروج لأن فيه إبطال حقه وحق العبد مقدم لحاجته .

التالي السابق


( قوله لأنه يفوح إلخ ) يفيد أنه إذا كان خلقا لا رائحة له يجوز . وفي الكافي قال : إذا لم يكن لها ثوب إلا المصبوغ فإنه لا بأس به لضرورة ستر العورة لكن لا تقصد الزينة ، وينبغي تقييده بقدر ما تستحدث ثوبا غيره إما ببيعه والاستخلاف بثمنه أو من مالها إن كان لها . وروى مالك وأبو داود والنسائي عن أم سلمة قالت : { قال النبي صلى الله عليه وسلم لا تلبس المتوفى عنها زوجها المعصفر من الثياب ولا الممشقة ولا الحلي ، ولا تختضب ولا تكتحل } هذا لفظ أبي داود . والمشق المغرة ، ولا تلبس العصب عندنا . وأجاز الشافعي رقيقه وغليظه ، ومنع مالك رقيقه دون غليظه . واختلف الحنابلة فيه وفي تفسيره ، في الصحاح : العصب ضرب من برود اليمن ينسج أبيض ثم يصبغ بعد ذلك ، وفي المغني : الصحيح أنه نبت يصبغ به الثياب ، وفسرت في الحديث بأنها ثياب من اليمن فيها بياض وسواد ، ويباح لها لبس الأسود عند الأئمة الأربعة ، وجعله الظاهرية كالأحمر والأخضر .

( قوله ولا حداد على كافرة ) لا حداد عندنا على كافرة ولا صغيرة ولا مجنونة ، خلافا للشافعي ومالك لأنه يجب لموت الزوج [ ص: 341 ] فيعم النساء كالعدة .

قلنا : يجب الحداد عند موت الزوج حقا من حقوق الشرع ، ولهذا لو أمرها الزوج بتركه لا يجوز لها تركه فلا يخاطب هؤلاء به ، ولذا شرط الإيمان فيه حيث قال صلى الله عليه وسلم { لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر } الحديث . قولهم كما تعم العدة عليهن . قلنا : العدة قد تقال على كف النفس عن الحرمات الخاصة وعلى نفس الحرمات وعلى مضي المدة على ما أسلفناه بتحقيقه ، والعدة اللازمة لهن بكل من المفهومين الآخرين على معنى أن عند البينونة بالموت والطلاق يثبت شرعا عدم صحة نكاحهن إلى انقضاء مدة معينة ، فإذا باشره ولي الصغيرة والمجنونة قبلها لا يصح شرعا ، ولا خطاب للعباد فيه تكليفي بل هو من ربط المسببات بالأسباب ، بخلاف منعها عن اللبس والطيب فإنه فعلها الحسي محكوم بحرمته فلا بد فيه من خطاب التكليف ، بخلاف الأول فإنه محكوم بعدم صحته ولا يتوقف على خطاب التكليف ، فلو اكتحلن أو لبسن المزعفر أو اختضبن لا يأثمن لعدم التكليف به . نعم قد ثبت على الكافرة في العدة خطاب عدم التزوج لحق الزوج ، فإن في العدة بهذا المعنى جهتين .

( قوله وعلى الأمة الحداد ) يعني إذا كانت منكوحة في الوفاة والطلاق البائن ، وكذا المدبرة وأم الولد والمكاتبة والمستسعاة لثبوت العلة الموجبة لأنها مخاطبة بحقوقه تعالى فيما ليس فيه إبطال حق المولى ، وليس في الإحداد فوات حقه في الاستخدام ، بخلاف المنع من الخروج فإنه لو لزمها في العدة ثبت ذلك ، فقلنا : لا تمنع من الخروج في عدتها كي لا يفوت حقه في استخدامها ، وحق العبد مقدم على حق الشرع بإذنه لفناه ، قال تعالى { إلا ما اضطررتم إليه } فإن قيل : لو وجب الحداد لعلة فوات نعمة النكاح لوجب بعد شراء المنكوحة . فالجواب أنها لم تفت لقيام الحل والكفاية ، غاية الأمر أنه ثبت على وجه أحط من الحل الثابت بالعقد باعتبار ثبوت النسب بلا دعوة في العقد بخلاف الملك ، ولا أثر لهذا القدر من الأحطية فإن نعمة النكاح ليس فواتها مؤثرا باعتبار ذلك القدر من الخصوصية بل باعتبار فوات ما فيها من أنها سبب لصونها وكفاية مئونتها ، وهذا القدر لم يفت فلا موجب للحداد ، وبهذا التقرير يندفع إشكال أنه لا ينوب الأدنى وهو هذا الحل عن الأعلى والتقصي عنه بالتزام وجوب الحداد على الزوجة المشتراة ، إلا أنه لم يظهر لكونها حلالا حتى لو أعتقها ظهر فإنه دعوى بلا دليل عليها بل دليل نفيها أنه وجوب [ ص: 342 ] لا فائدة فيه لأن لها الزينة والتطيب بعد شرائها والوجوب يستتبع الفائدة .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث