الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب ثبوت النسب

جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 362 ] قال ( وأكثر مدة الحمل سنتان ) لقول عائشة رضي الله عنها الولد لا يبقى في البطن أكثر من سنتين ولو بظل مغزل ( وأقله ستة أشهر ) لقوله تعالى {وحمله وفصاله ثلاثون شهرا } ثم قال { وفصاله في عامين } فبقي للحمل ستة أشهر [ ص: 363 ] والشافعي يقدر الأكثر بأربع سنين ، والحجة عليه ما رويناه ، والظاهر أنها قالته سماعا إذ العقل لا يهتدي إليه .

التالي السابق


( قوله وأكثر مدة الحمل سنتان ) وعند الشافعي ومالك أربع سنين ، وعن الليث ثلاث سنين ، وعن الزهري سبع سنين . واستدل المصنف رحمه الله بقول عائشة رضي الله عنها : الولد لا يبقى في بطن أمه أكثر من سنتين ولو بظل مغزل . أخرج الدارقطني والبيهقي في سننهما من طريق ابن المبارك : حدثنا داود بن عبد الرحمن عن ابن جريج عن جميلة بنت سعد عن عائشة رضي الله عنها قالت : ما تزيد المرأة في الحمل على سنتين قدر ما يتحول ظل عمود المغزل . وفي لفظ قالت : لا يكون الحمل أكثر من سنتين الحديث وأخرج الدارقطني ومن جهته البيهقي عن الوليد بن مسلم قال : قلت لمالك بن أنس أفي حديث عن عائشة أنها قالت : لا تزيد المرأة في حملها على سنتين قدر ظل مغزل ، فقال : سبحان الله من يقول هذا ؟ هذه جارتنا امرأة محمد بن عجلان امرأة صدق وزوجها رجل صدق حملت ثلاثة أبطن في اثني عشرة سنة كل بطن في أربع سنين . ولا يخفى أن قولعائشة رضي الله عنها مما لا يعرف إلا سماعا ، وهو مقدم على المحكي عن امرأة ابن عجلان لأنه بعد صحة نسبته إلى الشارع لا يتطرق إليه الخطأ ، بخلاف الحكاية فإنما بعد صحة نسبتها إلى مالك والمرأة يحتمل خطؤها ، فإن غاية الأمر أن يكون انقطع دمها أربع سنين ثم جاءت بولد ، وهذا ليس بقاطع في أن الأربعة بتمامها كانت حاملا فيها لجواز أنها امتد طهرها سنتين أو أكثر ثم حبلت ، ووجود الحركة مثلا في البطن لو وجد ليس قاطعا في الحمل لجواز كونه غير الولد ، ولقد أخبرنا عن امرأة أنها وجدت ذلك مدة تسعة أشهر من الحركة وانقطاع الدم وكبر البطن وإدراك الطلق فحين جلست القابلة تحتها أخذت في الطلق فكلما طلقت اعتصرت ماء هكذا شيئا فشيئا إلى أن انضمر بطنها وقامت عن قابلتها عن غير ولادة . وبالجملة مثل هذه الحكايات لا يعارض الروايات .

وما روي أن عمر رضي الله عنه أثبت نسب ولد المرأة التي غاب عنها زوجها سنتين ثم قدم فوجدها حاملا فهم برجمها ، فقال له معاذ : إن كان لك عليها سبيل فلا سبيل لك على ما في بطنها ، فتركها حتى ولدت ولدا قد نبتت ثنيتاه يشبه أباه ، فلما رآه الرجل قال : ولدي ورب الكعبة ، فإنما هو بقيام الفراش ودعوى الرجل نسبه .

( قوله وأقله ستة أشهر ) ولا خلاف للعلماء فيه لقوله تعالى { وحمله وفصاله ثلاثون شهرا } مع تفسير الفصال في الآية الأخرى بكونه [ ص: 363 ] في عامين فيلزم كون الفاضل للحمل ستة أشهر . وأورد عليه أنه مخالف لما قرره لأبي حنيفة في الرضاع من أن هذه المدة مضروبة بتمامها لكل من الحمل والفصال ، غير أن المنقص قام في أحدهما وهو الحمل وهو حديث عائشة .

قلنا : قدمنا هناك أنه غير صحيح لما يلزم من أنه يراد بلفظ الثلاثين في إطلاق واحد حقيقة ثلاثين وأربعة وعشرين باعتبار إضافتين فلعله رجع إلى الصحيح . وأجيب بأن هذا تأويل ابن عباس رضي الله عنهما ذكره هنا وموضع الاستدلال في الحقيقة مورده لا هو فنقل بعضه لينبه به عليه . وهو ما روي أن رجلا تزوج امرأة فولدت لستة أشهر فهم عثمان برجمها ، فقال ابن عباس رضي الله عنهما : أما إنها لو خاصمتكم بكتاب الله تعالى لخصمتكم قال الله تعالى { وحمله وفصاله ثلاثون شهرا } وقال { وفصاله في عامين } فلم يبق للحمل إلا ستة أشهر فدرأ عثمان رضي الله عنه الحد عنها . فالتمسك بدرء عثمان مع عدم مخالفة أحد فكان إجماعا ، وهذا صحيح في نفسه ومفيد لقطعية إرادة كون المدة بمجموع الحمل والفصال لاتفاقهم على صحته حيث سكتوا ورتبوا الحكم باعتباره وهو يبطل تمسكه في الرضاع على ذلك الوجه فلا يندفع به التناقض على المصنف .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث