الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب المستحاضة كيف تتطهر للصلاة ؟

641 642 643 644 ص: فعارضهم معارض فقال: أما حديث أبي حنيفة الذي رواه عن هشام بن عروة فخطأ؛ وذلك لأن الحفاظ عن هشام رووه على غير ذلك، فذكروا ما:

حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني عمرو ؛ بن الحارث وسعيد بن عبد الرحمن ؛ ومالك ؛ بن أنس والليث، ؛ عن هشام بن عروة، أنه أخبرهم عن أبيه، ؛ ، عن عائشة -رضي الله عنها-: " أن فاطمة بنت أبي حبيش جاءت النبي -عليه السلام- وكانت تستحاض - فقالت: يا رسول الله، إني والله ما أطهر أفأدع الصلاة أبدا؟ فقال رسول الله -عليه السلام-: إنما ذلك عرق ؛ وليست بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة، وإذا ذهب قدرها فاغسلي عنك الدم ثم صلي". .

حدثنا محمد بن علي بن داود، قال: نا سليمان بن داود الهاشمي، قال: أنا عبد الرحمن بن أبي الزناد ، عن أبيه وهشام كلاهما، عن عروة ، عن عائشة مثله.

قالوا: فهكذا روى الحفاظ هذا الحديث عن هشام بن عروة، ، لا كما رواه أبو حنيفة -رضي الله عنه-.

فكان من الحجة عليهم في ذلك أن حماد بن سلمة قد روى هذا الحديث عن هشام ... فزاد حرفا يدل على موافقته لأبي حنيفة: حدثنا محمد بن خزيمة ، قال: نا حجاج بن المنهال، قال: نا حماد بن سلمة ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة، عن النبي -عليه السلام- بمثل حديث يونس ، عن ابن وهب ، وحديث محمد بن علي عن سليمان بن داود ، غير أنه قال: "فإذا ذهب قدرها فاغسلي عنك الدم وتوضئي وصلي". .

ففي هذا الحديث أن النبي -عليه السلام- أمرها بالوضوء مع أمره إياها بالغسل، فذلك الوضوء هو الوضوء لكل صلاة، فهذا معنى حديث أبي حنيفة، وليس حماد بن سلمة عندكم في هشام بن عروة ، بدون مالك 5 والليث 5 وعمرو بن الحارث. .

[ ص: 352 ]

التالي السابق


[ ص: 352 ] ش: أي عارض أهل المقالة الثالثة معارض، بيان المعارضة: أن هذا الحديث رواه الحفاظ عن هشام بن عروة على غير الوجه الذي رواه أبو حنيفة؛ لأنهم رووه عن هشام بن عروة، وليس فيه الأمر بالوضوء عند كل صلاة، وإنما أبو حنيفة روى هذا عنه وتفرد به، ولم يتابعه عليه أحد ، فلا يحتج به، وأراد بالحفاظ مثل عمرو بن الحارث وسعيد بن عبد الرحمن ومالك بن أنس والليث بن سعد .

وأجاب عن هذا بقوله: "فكان من الحجة عليهم في ذلك" أي على المعارضين الطاعنين في حديث أبي حنيفة، أن حماد بن سلمة روى هذا الحديث عن هشام بن عروة فزاد فيه حرفا، فوافق بذلك أبا حنيفة، وليس حماد بن سلمة في روايته عن هشام، بدون هؤلاء الحفاظ المذكورين.

فإن قلت: كيف يساوي حماد بن سلمة هؤلاء الحفاظ، أو يدانيهم، ولم يخرج له البخاري إلا مستشهدا؟

قلت: لا يلزم من ذلك ما ذكرتم، فإن مسلما احتج به، وكذلك الأربعة، وكيف وقد قال شعبة: حماد بن سلمة يفيدني.

وعن وهيب: كان حماد بن سلمة سيدنا وكان أعلمنا. ذكره ابن أبي حاتم في كتابه على أنا نقول: ليس هذا بمخالفة من أبي حنيفة لرواية الحفاظ بل زيادة ثقة، وهي مقبولة ولا سيما من مثله. وخصوصا تابعه على ذلك حماد بن سلمة على ما ذكره الطحاوي، وتابعه أيضا حماد بن زيد كما ذكرنا في حديث النسائي، وتابعه أيضا أبو عوانة الوضاح عن هشام، ذكره الطحاوي بسند جيد في كتاب "الرد على الكرابيسي" على ما ذكره عن قريب، وتابعه أبو حمزة السكري أيضا على ما قال ابن حبان في "صحيحه": ذكر الخبر المدحض قول من زعم أن هذه اللفظة تفرد بها أبو حمزة وأبو حنيفة .

[ ص: 353 ] أخبرنا محمد بن أحمد بن النضر قال: ثنا محمد بن علي بن الحسن بن شقيق، قال: سمعت أبي يقول: حدثنا أبو عوانة ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه، عن عائشة قالت: "سئل رسول الله -عليه السلام- عن المستحاضة، فقال: تدع الصلاة أيامها، ثم تغتسل غسلا واحدا، ثم تتوضأ عند كل صلاة".

أخبرنا محمد بن أحمد بن النضر الخلقاني، قال: نا محمد بن علي بن الحسن بن شقيق، قال: سمعت أبي، قال: ثنا أبو حمزة ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه، عن عائشة: "أن فاطمة بنت أبي حبيش أتت النبي -عليه السلام- فقالت: يا رسول الله، إني أستحاض الشهر والشهرين. قال: ليس ذاك بحيض ولكنه عرق، فإذا أقبل الحيض فدعي الصلاة عدد أيامك التي كنت تحيضين فيه، فإذا أدبرت فاغتسلي، وتوضئي لكل صلاة" انتهى.

فهذا أبو حنيفة قد تابعه في ذلك حماد بن سلمة وحماد بن زيد وأبو عوانة وأبو حمزة، أربعة من الحفاظ الأجلاء، مع أن تفرد أبي حنيفة كاف لجلالة قدره وتعين إمامته.

وأبو حمزة اسمه محمد بن ميمون المروزي السكري، روى له الجماعة، ولم يكن سكريا، وإنما قيل له: السكري لحلاوة كلامه، قاله عباس الدوري .

ثم إن الطحاوي أخرج الحديث الذي عارضه به ذلك المعارض من طريقين صحيحين:

الأول: عن يونس بن عبد الأعلى ، عن عبد الله بن وهب ، عن عمرو بن الحارث المصري وسعيد بن عبد الرحمن بن عبد الله المدني قاضي بغداد في عسكر المهدي زمن الرشيد ، ومالك بن أنس المدني ، والليث بن سعد المصري، كلهم عن هشام بن عروة ... إلى آخره.

[ ص: 354 ] وأخرجه الجماعة؛ فالبخاري: عن عبد الله بن يوسف ، عن مالك.. إلى آخره نحوه.

ومسلم: عن أبي بكر بن أبي شيبة وأبي كريب، كلاهما، عن وكيع ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه، عن عائشة... إلى آخره نحوه.

وأبو داود: عن أحمد بن يونس وعبد الله بن محمد النفيلي، كلاهما عن زهير ، عن هشام ... إلى آخره نحوه.

والترمذي: عن هناد ، عن وكيع وعبدة وأبي معاوية، ثلاثتهم عن هشام ... إلى آخره نحوه، وقال في آخره: قال أبو معاوية في حديثه: "وقال: توضئي لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت".

والنسائي: عن إسحاق بن إبراهيم ، عن عبدة ووكيع وأبي معاوية، قالوا: ثنا هشام بن عروة.. إلى آخره، نحو رواية أبي داود .

وابن ماجه: عن أبي بكر بن أبي شيبة وعلي بن محمد، قالا: ثنا وكيع ، عن هشام ... إلى آخره نحوه.

والثاني: عن محمد بن علي بن داود أبي بكر البغدادي ، عن سليمان بن داود بن علي بن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم القرشي الهاشمي أبو أيوب ، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد - بالنون - واسمه عبد الله بن ذكوان ، عن أبيه عبد الله وعن هشام بن عروة، كلاهما عن عروة ، عن عائشة، مثله. أي: مثل الحديث المذكور.

[ ص: 355 ] قوله: "وإذا ذهب قدرها" بالدال المهملة أي: قدر وقتها، ومنهم من صحف هذا وقال: "قذرها" بالذال المعجمة، وهو غلط.

وهذا الحديث يدل على أن هذه المرأة كانت معتادة كما جاء في رواية أخرى: "ولكن دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها ثم اغتسلي وصلي".

واستدل به أبو حنيفة في أن الرد إلى الأيام التي هي عادتها سواء كانت مميزة أو غير مميزة، وبه قال الشافعي في قول.

وأما إذا لم يكن لها عادة تعتمد عليها تجعل لها من كل شهر عشرة أيام حيضا والباقي استحاضة كما عرف ذلك في الفروع.

وفيه رد لمن رأى الغسل لكل صلاة، ولمن رأى عليها الجمع بين الظهرين بغسل، والعشاءين بغسل.

ولمن قال: بالاستظهار بيومين أو ثلاث، أو أقل أو أكثر.

ولمن رأى عليها الغسل في كل يوم من ظهر إلى ظهر.

وقال أبو عمر في "التمهيد": وفيه رد على من أوجب الوضوء على المستحاضة، فإذا أحدثت المستحاضة حدثا معروفا معتادا، لزمها الوضوء لأجل ذلك، وأما دم استحاضتها فلا يوجب وضوءا؛ لأنه كدم الجرح السائل، وكيف يجب من أجله وضوء وهو لا ينقطع، ومن كان مثل هذه، من سلس البول والمذي، لا يرتفع [بوضوئه حدثا] لأنه لا يتمه إلا وقد حصل ذلك الحدث في الأغلب، انتهى.

وفيه تناقض لما أنه قال: إن الوضوء في حديث عائشة صحيح.

وهذا من أطراف حديثها المذكور، فلا رد حينئذ على من قال به، فافهم.

[ ص: 356 ] وأما حديث حماد الذي زاد فيه حرفا، فأخرجه عن محمد بن خزيمة ، عن الحجاج بن منهال ، عن حماد بن سلمة ، عن هشام ... إلى آخره.

وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم .

وأخرجه الدارمي: عن حجاج ، عن حماد ، عن هشام.. إلى آخره نحوه.

وأخرجه الترمذي: كما ذكرنا عن قريب، وفيه: "قال أبو معاوية في حديثه: توضئي لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت" ثم قال: هذا حديث حسن صحيح، وهو قول غير واحد من أصحاب النبي -عليه السلام- والتابعين، وبه يقول سفيان الثوري ومالك والشافعي وابن المبارك: أن المستحاضة إذا جاوزت أيام أقرائها، اغتسلت، وتوضأت لكل صلاة.

قوله: "بمثل حديث يونس عن ابن وهب" أي بمثل حديث يونس بن عبد الأعلى ، عن عبد الله بن وهب ، عن عمرو بن الحارث وسعيد بن عبد الرحمن ومالك بن أنس والليث بن سعد ، عن هشام بن عروة، أنه أخبرهم عن أبيه، عن عائشة... الحديث.

قوله: "وحديث محمد بن علي" أراد به شيخه محمد بن علي بن داود البغدادي ، عن سليمان بن داود الهاشمي ، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد ، عن أبيه وهشام، كلاهما عن عروة ، عن عائشة.

قوله: "ففي هذا الحديث" أراد به حديث حماد بن سلمة .

قوله: "أمرها" أي: أمر فاطمة بنت أبي حبيش بالوضوء مع أمره إياها بالغسل، فذلك الوضوء الذي أمرها به هو الوضوء لكل صلاة.

فإن قلت: من أين يعلم أن الوضوء لكل صلاة؟

[ ص: 357 ] قلت: الحالة تدل على هذا، ولا سيما ورد في رواية أبي معاوية، في تخريج الترمذي: "توضئي لكل صلاة" وفي رواية أبي حنيفة ومن تابعه أيضا: "ثم توضئي عند كل صلاة"، وفي حديث عدي بن ثابت ، عن أبيه، عن جده: "وتتوضأ لكل صلاة".



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث