الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

سورة الحج

[ ص: 420 ] ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير .

[28] ليشهدوا ليحضروا منافع لهم دينية ودنيوية .

ويذكروا اسم الله عند التذكية في أيام معلومات عندهم ؛ لأنهم كانوا يحرصون على علمها وعدها لأجل الحج ، وهي عشر ذي الحجة عند الأئمة الثلاثة ، وأكثر أهل العلم ، وعند مالك : هي أيام النحر الثلاثة .

على ما رزقهم من بهيمة الأنعام هي الإبل والبقر والغنم ، فلا تجوز الأضحية من غيرها .

فكلوا منها أمر إباحة ليس بواجب ، وإنما قال ذلك ؛ لأن أهل الجاهلية كانوا لا يأكلون من لحوم هداياهم شيئا ، وأما الأضحية ، فإنها مشروعة بأصل الشرع بالاتفاق .

واختلفوا في حكمها ، فقال أبو حنيفة : هي واجبة على كل مسلم حر مقيم ملك نصابا من أي الأموال كان ، وقال الثلاثة : هي سنة غير مفروضة ، واستثنى مالك الحاج الذي بمنى ، فإن سنته عنده الهدي ، ويجوز الأكل منها باتفاقهم ، فقال أبو حنيفة : له أن يأكل منها ، ويطعم الأغنياء والفقراء ، ويدخر ، ويستحب ألا ينقص الصدقة من الثلث ، وقال مالك : يأكل ويطعم ، وليس لما يأكله ولا لما يطعمه حد ، وقال الشافعي وأحمد : يأكل الثلث ، ويهدي الثلث ، ويتصدق بالثلث ، ولو أكل أكثر ، جاز .

واختلفوا في الأفضل مما يضحى به ، فقال مالك : الأفضل الغنم ، ثم [ ص: 421 ] البقر ، ثم الإبل ، قال الثلاثة : أفضلها الإبل ، ثم البقر ، ثم الغنم ، والضأن أفضل من المعز بالاتفاق ، ويجوز الذكر والأنثى والخصي ، وشرطها سلامة من عيب ينقص اللحم ، فلا تجزئ العجفاء ، وهي الهزيلة ، ولا ذات عرج وعور ومرض ، وتجزئ الجماء ، وهي التي خلقت بغير قرون ، ولا يضر شق أذن وخرقها ، بغير خلاف في ذلك ، وتجزئ الشاة عن واحد باتفاقهم ، وتجزئ البدنة والبقرة عن سبعة عند الثلاثة ، وقال مالك : هما كالشاة لا تجزئ إلا عن واحد .

واختلفوا فيما يجزئ في الأضحية والهدي ، فقال أبو حنيفة وأحمد : يجزئ الجذع من الضأن ، وهو ما له ستة أشهر ، والثني مما سواه ، فمن المعز ما له سنة ، ومن البقر ما له سنتان ، ومن الإبل ما له خمس سنين ، وقال مالك : الجذع من الضأن ما له سنة ، والثني مما سواه ، فمن المعز ما له ثلاث سنين ، ومن البقر ما دخل في الثالثة ، ومن الإبل ما له ست سنين ، وقال الشافعي : من الإبل ما طعن في السادسة ، ومن البقر والمعز ما طعن في الثالثة ، ومن الضأن ما طعن في الثانية ، والسنة أن يذبحها بنفسه إن كان يحسن ، وإلا يحضرها .

واختلفوا فيما إذا ذبحها كتابي ، فقال مالك : لا يجوز ، وقال الثلاثة : يجوز مع الكراهة .

وله أن ينتفع بجلدها ، ولا يعطى الجازر بأجرته شيئا منها ، ولا يبيعها ولا شيئا منها بالاتفاق ، وأما الهدي الواجب بأصل الشرع ؛ كدم التمتع والقران ، والواجب بإفساد الحج وفواته ، وجزاء الصيد ، وما أوجبه على نفسه بالنذر ، فلا يجوز الأكل منها عند الشافعي ، وقال مالك : يأكل من [ ص: 422 ] هدي التمتع ، ومن كل هدي وجب عليه ، إلا من أربعة أشياء : فدية الأذى ، وجزاء الصيد ، ونذر المساكين ، وهدي التطوع إذا عطب قبل محله ، وقال أبو حنيفة وأحمد : يأكل من هدي التطوع ، ودم التمتع والقران ، ولا يأكل من واجب سواهما ، وسيأتي ذكر وقت الذبح والكلام عليه في سورة الكوثر إن شاء الله تعالى .

وأطعموا البائس هو ذو البؤس ؛ أي : الشدة .

الفقير الذي لا شيء له .

* * *

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث