الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

بيان علة ذم العلم المذموم

وثالثها أنه لا فائدة فيه فأقل أحواله أنه خوض في فضول لا يغني وتضييع العمر الذي هو أنفس بضاعة الإنسان في غير فائدة وذلك غاية الخسران فقد مر رسول الله صلى الله عليه وسلم برجل والناس مجتمعون عليه فقال : ما هذا فقالوا رجل علامة فقال بماذا قالوا : بالشعر وأنساب العرب ، فقال : علم لا ينفع وجهل لا يضر وقال صلى الله عليه وسلم إنما العلم آية محكمة أو سنة قائمة أو فريضة عادلة

التالي السابق


(وثالثها أنه لا فائدة فيه) ولا طائل تحته (فأقل أحواله أنه خوض في فضول) هو جمع فضل، إلا أنه استعمل استعمال المفرد، فيما لا خير فيه (لا يغني شيئا) وفي نسخة: يغني شأنه (وتضييع للعمر الذي هو أنفس بضاعة الإنسان بغير فائدة) شرعية تترتب عليها المصالح (غاية الخسران) فإن الوقت سيف إن لم تقطعه في خير قطعك (فقد مر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- برجل والناس مجتمعون عليه فقال: ما هذا) أي: الاجتماع (قالوا رجل علامة فقال بماذا فقالوا: بالشعر وأنساب العرب، فقال: علم لا ينفع وجهل لا يضر) قال العراقي أخرجه ابن عبد البر من حديث أبي هريرة وضعفه، وفي آخر الحديث إنما العلم آية محكمة إلخ. اهـ .

قلت: وقال ابن عبد البر نفسه: لعمري لم ينصف من زعم أن علم النسب علم لا ينفع وجهل لا يضر، قال المناوي: وكأنه لم يطلع على كونه حديثا أو رأى فيه قادحا يقتضي الرد، قلت: كيف يقال: إنه لم يطلع على الحديث وهو الذي خرجه من حديث أبي هريرة فالوجه هو القول الثاني الذي ذكره، وأخرج الرشاطي من طريق ابن جريج عن عطاء عن أبي هريرة [ ص: 225 ] علم النسب علم لا ينفع وجهالة لا تضر، وفي القوت وقد روينا عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من طريق مرسل أنه مر برجل والناس مجتمعون عليه، فقال: ما هذا؟ فقالوا: رجل علامة، قال: بماذا؟ قالوا: بالشعر والأنساب وأيام العرب، فقال: هذا علم لا يضر جهله، وفي لفظ آخر: علم لا ينفع وجهل لا يضر، وأخرج الإمام أحمد في مسنده والترمذي في البر والصدقة، والحاكم عن أبي هريرة رفعه: تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم فإن صلة الرحم محببة في الأهل مثراة في المال منسأة في الأثر. وصححه الحاكم وأقره الذهبي وقال الهيثمي: رجال أحمد وثقوا وقال الحافظ ابن حجر: هذا الحديث له طريق أقواها ما أخرجه الطبراني من حديث العلاء بن خارجة، وجاء هذا عن عمر أيضا ساقه ابن حزم بإسناد، رجاله موثقون إلا أن فيه انقطاعا. اهـ .

قلت: وأخرج ابن زنجويه من حديث أبي هريرة: تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم ثم انتهوا، وتعلموا من العربية ما تعرفون به كتاب الله، ثم انتهوا، وبهذا يظهر الجمع بين الحديثين، وإن محل النهي إنما هو في التوغل فيه والاسترسال بحيث يشتغل به عما هو أهم منه، وفي التخريج الكبير للعراقي: رواه أبو نعيم في رياضة المتعلمين من رواية بقية عن ابن جريج عن عطاء عن أبي هريرة وفيه أن النبي -صلى الله عليه وسلم- دخل المسجد فرأى جمعا من الناس على رجل فقال: ما هذا؟ قالوا: يا رسول الله رجل علامة، قال: وما العلامة؟ قالوا: أعلم الناس بأنساب العرب وأعلم الناس بالشعر، وما اختلفت فيه العرب، فقال: هذا علم لا ينفع وجهل لا يضر، ثم قال: العلم ثلاثة ما خلاهن فهو فضل; آية محكمة أو سنة قائمة أو فريضة عادلة. اهـ .

قلت: وقال ابن حزم في كتاب النسب: علم النسب منه ما هو فرض عين ومنه ما هو فرض كفاية ومنه مستحب، فمن ذلك أن تعلم أن محمدا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- هو ابن عبد الله الهاشمي، فمن زعم أنه غير هاشمي كفر، وأن يعلم أن الخليفة من قريش، وأن يعرف من يلقاه بنسب في رحم محرم ليجتنب تزويج ما يحرم عليه وأن يعرف ما يتصل به ممن يرثه أو يجب بره من صلة أو نفقة أومعاونة وأن يعرف أمهات المؤمنين، وأن نكاحهن حرام، وأن يعرف الصحابة وأن حبهم مطلوب، ويعرف الأنصار ليحسن إليهم لثبوت الوصية بذلك ولأن حبهم إيمان وبغضهم نفاق ومن الفقهاء من يفرق في الحرية والاسترقاق بين العرب والعجم فحاجته إلى علم النسب آكد، ومن يفرق بين نصارى بني تغلب وغيرهم في الحرية وتضعيف الصدقة، ما فرض عمر الديوان إلا على القبائل ولولا علم النسب ما تخلص له ذلك وتبعه علي وعثمان وغيرهما. اهـ .

(وقال) -صلى الله عليه وسلم- (إنما العلم آية محكمة أو سنة قائمة أو فريضة عادلة) أخرجه أبو داود وابن ماجه من حديث عبد الله بن عمرو وقد رواه ابن عبد البر مع الحديث السابق عن أبي هريرة، قاله العراقي، وفي تجريد الصحاح لرزين من طريق النسائي عن ابن عمر ورفعه: العلم ثلاثة وما سوى ذلك فضل آية محكمة أو سنة قائمة أو فريضة عادلة، وفي القوت ويروى العلم ثلاثة آية محكمة أو سنة قائمة ولا أدري. وأخرجه أبو نعيم في رياضة المتعلمين بمثل رواية النسائي، تقدم قريبا قبل هذا وهو آخر الحديث، ورواه كذلك أبو داود وابن ماجه، كما تقدم عن العراقي من رواية عبد الرحمن بن زياد عن عبد الرحمن بن رافع عن ابن عمرو ورواه الطبراني في الكبير وأبو نعيم في الكتاب المذكور من رواية إسماعيل بن عياش عن عبد الرحمن بن زياد عن عبد الله بن يزيد، عن ابن عمرو، قال العراقي: وقد ورد موقوفا على ابن عمر نحوه، رواه الطبراني في الأوسط من رواية حصين عن مالك عن نافع عن ابن عمر، ورواه الدارقطني من رواية عمر بن عصام، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر: العلم ثلاثة، كتاب ناطق وسنة ماضية ولا أدري. وأخرجه الخطيب أيضا هكذا، وقال تابعه أبو طاهر محمد بن موسى المقدسي، وأبو حذافة السهمي قال: وخالفهم سعيد بن داود الزبيري فرواه عن مالك عن داود بن الحصين عن طاوس عن ابن عمر قلت: ويحتمل أن المصنف أوردهما على أنه حديث واحد فإنه عقبه بقوله والله أعلم .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث