الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

بلاغ مالك عن ابن مسعود أيما بيعين تبايعا فالقول ما قال البائع أو يترادان

جزء التالي صفحة
السابق

1337 - مالك ، أنه بلغه أن عبد الله بن مسعود كان يحدث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " أيما بيعين تبايعا ، فالقول ما قال البائع ، أو يترادان " .

التالي السابق


29912 - قال أبو عمر : جعل مالك - رحمه الله - حديث ابن مسعود هذا كالمفسر لحديث ابن عمر ، يقول : إن المتبايعين قد يختلفان قبل الافتراق ، فلو كان [ ص: 221 ] كل واحد منهما بالخيار لم تجب على البائع يمين ، ولا تراد ؛ لأن التراد إنما يكون فيما قد تم من البيوع ، والله أعلم .

29913 - فكأنه عنده منسوخ ؛ لأنه لم يدرك العمل عليه واستدل على نسخه بحديث ابن مسعود الذي أردفه بقول القاسم : ما أدركت الناس إلا على شروطهم في أموالهم ، وفيما أعطوا .

29914 - وقد قال مالك ، وذكر له حديث : " البيعان بالخيار ما لم يتفرقا ، فقال : قد جاء هذا الحديث ، ولعله أن يكون شيئا قد ترك ، فلم يعمل به .

29915 - وقال في رجل وقف سلعته للسوم ، فأعطي بها ما طلب فيها ، فقال : لا أبيعها ، فالبيع له لازم ، فإن قال : إنما كنت لاعبا ، أردت اعتبار ثمنها ، فيحلف على ذلك فإن لم يحلف لزمه البيع .

29916 - قال الطحاوي : كل من لم يقل بحديث البيعان بالخيار ما لم يفترقا من مكانهما يلزمه البيع ، ولا يلتفت إلى يمينه في قوله : كنت لاعبا ، ومن يقول : المتبايعان كل واحد منهما على صاحبه بالخيار حتى يفترقا أحرى ألا يقول بقول مالك في ذلك .

29917 - قال : ولم يقل بقول مالك أحد من الفقهاء في أنه لا يلزمه البيع ، وقد أعطي ما طلب في سلعته التي وقفها للبيع ، وساوم الناس فيها .

[ ص: 222 ] 29918 - قال أبو عمر : حديث ابن مسعود حديث منقطع ، لا يكاد يتصل ، وإن كان الفقهاء قد عملوا به كل على مذهبه الذي تأوله فيه .

29919 - فمن أسانيد هذا الحديث ما رواه حفص بن غياث ، عن أبي العميس ، قال : أخبرني عبد الرحمن بن قيس بن محمد بن الأشعث ، عن أبيه ، عن جده ، قال : اشترى الأشعث رقيقا من رقيق الخمس من عبد الله بن مسعود بعشرين ألفا ، فأرسل عبد الله إليه في ثمنهم ، فقال : إنما أخذتهم بعشرة آلاف ، فقال عبد الله : فاختر رجلا يكون بيني وبينك .

قال الأشعث : أنت بيني وبين نفسك .

قال عبد الله : فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إذا اختلف البيعان ، وليس بينهما بينة ، فهو ما يقول رب السلعة ، أو يتتاركان
.

29920 - هذا رواه أبو داود ، عن محمد بن يحيى بن فارس ، عن عمر بن حفص بن غياث ، عن أبيه ، وكذلك هو روايتنا في مصنفه من السنن .

29921 - وذكره ابن الجارود ، عن محمد بن يحيى ، عن عمرو بن حفص ، عن أبيه ، عن أبي العميس ، عن عبد الرحمن بن قيس بن محمد بن [ ص: 123 ] الأشعث ، وكيف كان الأمر ، فهو غير متصل ، ولا مسند .

29922 - وذكر أبو داود أيضا ، قال : حدثني عبد الله بن محمد النفيلي ، قال : حدثني هشيم ، قال : أخبرنا ابن أبي ليلى ، عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه أن ابن مسعود باع من الأشعث بن قيس رقيقا ، فذكر معناه .

29923 - وهذا لا يتصل ، لأن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود لم يختلفوا أنه لم يسمع من أبيه .

29924 - وروى هذا الحديث أيضا الشافعي ، وابن أبي شيبة ، والحميدي ، عن ابن عيينة ، عن ابن عجلان ، عن عوف بن عبد الله ، عن ابن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا اختلف البيعان ، فالقول ما قال البائع ، والمبتاع بالخيار .

29925 - ورواه القطان ، عن ابن عجلان مثله بإسناده .

29926 - وهذا أيضا غير متصل ، بل هو بين الانقطاع .

29927 - وسنذكر ما للعلماء في معنى هذا الحديث بعد الفراغ من القول في حديث ابن عمر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم : " البيعان بالخيار ما لم يفترقا - إن شاء الله عز وجل .

[ ص: 224 ] 29928 - وأجمع العلماء من أهل الفقه بالحديث أن قوله صلى الله عليه وسلم : " البيعان بالخيار ما لم يفترقا " من أثبت ما يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم من أخبار الآحاد العدول ، لا يختلفون في ذلك ، وإنما اختلفوا في القول به ، وادعاء النسخ فيه ، وتخريج معانيه .

29929 - وقد اختلف الحفاظ في ألفاظه :

29930 - فرواية مالك ، عن نافع ما ذكرناه عنه في " الموطأ " .

29931 - ورواية أيوب عن نافع ، عن ابن عمر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم : " البيعان بالخيار ما لم يفترقا ، أو يقول أحدهما لصاحبه : اختر " .

29931 م - هكذا قال حماد بن زيد ، عن أيوب .

29932 - ورواية شعبة ، وسعيد بن أبي عروبة ، عن أيوب بإسناده بلفظ حديث مالك ، ومعناه .

29933 - ورواه ابن علية ، عن أيوب ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : البيعان بالخيار حتى يفترقا ، أو يكون بيع خيار .

29934 - قال : وربما قال فيه نافع ، أو يقول أحدهما لصاحبه : اختر .

29935 - ولفظ عبد الله بن دينار ، عن ابن عمر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم : " كل بيع ، فلا بيع بينهما حتى يفترقا إلا بيع الخيار " .

[ ص: 225 ] 29936 - ورواه ابن جريج ، عن نافع ، قال : أملى علي نافع أنه سمع ابن عمر يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا تبايع المتبايعان ، فكل واحد منهما بالخيار حتى يفترقا ، أو يكون بيعهما عن خيار ، وإذا كان عن خيار ، فقد وجب " .

29937 - قال نافع ، كان ابن عمر إذا تبايع الرجل ، ولم يخبره ، وأراد أن لا يقبله قام ، فمشى هنيهة ، ثم وقع .

29938 - وهذه الألفاظ كلها معناها واحد ، ولا تدافع في شيء منها .

29939 - وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " المتبايعان بالخيار ما لم يفترقا " من وجوه كثيرة من حديث سمرة بن جندب ، وأبي برزة الأسلمي ، وعبد الله بن عمرو بن العاص ، وأبي [ ص: 226 ] هريرة ، وحكيم بن حزام . وقد ذكرت أسانيدها ، وطرقها في " التمهيد " .

29940 - وأما اختلاف الفقهاء في القول : 29941 - فقول مالك ما ذكره في موطئه ، ومذهبه في جماعة أصحابه أنه لا خيار للمتبايعين إذا عقدا بيعهما بالكلام ، وإن لم يفترقا بأبدانهما .

[ ص: 227 ] 29942 - وهو قول أبي حنيفة ، وأصحابه ، وقول إبراهيم النخعي ، وأهل الكوفة ، وربيعة بن أبي عبد الرحمن ، وطائفة من أهل المدينة .

29943 - وهو قول الثوري في رواية عبد الرزاق عنه .

29944 - قال سفيان : الصفقة باللسان .

29945 - وقال محمد بن الحسن : معنى الحديث : إذا قال البائع قد بعتك ، فله أن يرجع ما لم يقل المشتري قبلت .

29946 - ورواه عن أبي حنيفة .

29947 - وقال عن أبي يوسف : المتبايعان في هذا الحديث هما المتساويان ، فإذا قال : بعتك بعشرة ، فللمشتري خيار القبول في المجلس ، وللبائع خيار الرجوع فيه قبل قبول المشتري .

29948 - وعن عيسى بن أبان نحوه .

29949 - وقال بعض أصحاب أبي حنيفة : التفرق أن يتراضيا بالبيع ، فإذا تراضيا ، فقد تفرقا .

29950 - قال : والتفرق قد يكون بالقول ، كما يقال للمتناظرين إذا قاموا عن المجلس : عن أي شيء افترقتم .

[ ص: 228 ] 29951 - وقال الله تعالى : وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته [ النساء : 130 ] .

29952 - وأما افتراقهما بالكلام ، قال : ومعنى قوله في المتبايعين أنهما بالخيار ، وهو قول الرجل للرجل : قد بعتك عبدي هذا بألف درهم ، فله أن يرجع عن قوله ذلك ما لم يقل الآخر : قد قبلت ، فهذا موضع خيار البائع ، فلو قال المشتري : قد قبلت : فقد افترقا ، وتم البيع بينهما .

29953 - وقال غيره من الكوفيين : التفرق أن يقبل في المجلس ، فإذا قام أحدهما من المجلس قبل أن يقبل صاحبه بطل الخيار . 29954 - قال : وفائدة هذا الوجه أن المشتري إذا لم يجب البائع من فوره أي قد قبلت ، لم يضره ذلك ، فلم ينقطع خيارهما حتى يتفرقا من مجلسهما .

29955 - قال أبو عمر : هذان التأويلان فاسدان مخالفان لمعنى الحديث وظاهره ، لأن الخيار فيهما للبائع خاصة ، وحديث مالك في أول الباب ، يقتضي بفسادهما ، لقوله صلى الله عليه وسلم : " المتبايعان كل واحد منهما بالخيار على صاحبه ما لم يفترقا . وسنبين ضعف تأولهما في الحديث فيما بعد - إن شاء الله عز وجل .

29956 - وكان أبو حنيفة يرد هذا الحديث بالاعتبار كفعله في سائر أخبار الآحاد ، ويعرضها على الأصول المجتمع عليها ، ولا يقبلها إذا خالفها ، ويقول :

[ ص: 229 ] أرأيت إن كانا في سفينة ، أو قيد : متى يفترقان ، وهذا أكثر عيوبه ، وأعظم ذنوبه عند أهل الحديث ، واحتجاجهم بمذهبهم في رفع ظاهر الحديث طويل أكثره تشعيب لا معنى له ؛ لأن الأصول ، لا يرد بعضها ببعض ، وقد ذكرنا أكثرها في " التمهيد " .

29957 - وقال الثوري في " جامعه " ، والليث بن سعد ، وعبيد الله بن [ ص: 230 ] الحسن ، والشافعي ، وأحمد ، وأبو ثور ، وأبو عبيد ، وداود : إذا عقد المتبايعان بيعهما ، فكل واحد منهما بالخيار في إتمامه وفسخه ما داما في مجلسهما ، لم يفترقا بأبدانهما ، والتفرق في ذلك كالتفرق في الصرف سواء .

29958 - وهو قول ابن أبي ذئب في طائفة من أهل المدينة ، وقول سوار قاضي البصرة ، وسفيان بن عيينة ، وعبد الله بن المبارك .

29959 - وروي ذلك عن عبد الله بن عمر ، وشريح القاضي ، وسعيد بن المسيب ، والحسن البصري ، وعطاء ، وطاوس ، والزهري ، وابن جريج ، ومعمر ، ومسلم بن خالد الزنجي ، والدراوردي ، ويحيى القطان ، وابن مهدي .

[ ص: 231 ] 29960 - وقال الأوزاعي : المتبايعان بالخيار ما لم يفترقا إلا في بيوع ثلاثة : بيع السلطان في الغنائم ، وبيع الشركاء في الميراث ، وبيع الشركة في التجارة ، فإذا صافقه ، فقد وجب البيع ، وليسا فيه بالخيار .

29961 - قال : وحد الفرقة ما كانا في مكانهما ذلك حتى يتوارى كل واحد منهما عن صاحبه ، قال : وإذا خيره فاختار ، فقد وجب البيع ، وإن لم يفترقا .

29962 - قال أبو عمر : كل من أوجب الخيار يقول : إذا خيره في المجلس فاختار ، فقد وجب البيع ؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم : قال " أو يقول أحدهما لصاحبه : اختر " .

29963 - وفعل ابن عمر تفسير ذلك ، وقد تقدم ذكره ، وهو راوي الحديث ، والعالم بمخرجه ، ومعناه .

29964 - وقال الليث بن سعد : التفرق أن يقوم أحدهما .

29965 - وقال الشافعي : كل متبايعين في بيع عين حاضرة ، أو سلم إلى أجل ، أو دين ، أو صرف ، أو غير ذلك ، تبايعا ، وتراضيا ، ولم يتفرقا عن مقامهما ، أو مجلسهما الذي تبايعا فيه ، فلكل واحد منهما - إن شاء - فسخ البيع ، كان ذلك له ما داما في الموضع الذي عقدا فيه بيعهما ، إلا أن يقول أحدهما [ ص: 232 ] لصاحبه اختر إن شئت إمضاء البيع ، أو رده ، فإن اختار وجها من ذلك لزمه وانقطع عنه خيار المجلس ، وإن لم يتفرقا ، فإن عقدا بيعهما على خيار مدة يجوز الخيار إليها كانا على ما عقدا من ذلك ، ولم يضرهما التفرق .

29966 - وسنذكر اختلافهم في مدة أيام الخيار بعد إن شاء الله تعالى .

29967 - وبهذا كله قال أبو ثور ، وأحمد ، وهو معنى قول الجميع .

29968 - واختلف المتأخرون من أصحابنا المالكيين في معنى قول مالك في " الموطأ " بأكثر قول النبي صلى الله عليه وسلم : " البيعان بالخيار ما لم يفترقا :

قال مالك : وليس لهذا عندنا حد معروف ، ولا أمر معمول به فيه " :

29969 - فقال بعضهم : دفع مالك هذا الحديث بإجماع أهل المدينة على معنى الخلاف به ، فلما لم ير أحدا يعمل به ، قال ذلك القول ، وإجماعهم عنده حجة كما قال أبو بكر بن عمرو بن حزم : إذا رأيت أهل المدينة قد أجمعوا على شيء فاعلم أنه الحق .

29970 - قال : وإجماعهم عند مالك أقوى من خبر الواحد . 29971 - فقال بعضهم : لا يجوز لأحد أن يدعي في هذه المسألة إجماع أهل المدينة ؛ لأن الاختلاف فيها موجود بها .

[ ص: 233 ] 29972 - قال : وإنما معنى قول مالك : وليس لهذا عندنا حد معروف ، أي ليس للخيار عندنا حد معروف ؛ لأن الخيار عنده ليس محدودا بثلاثة أيام كما حده الكوفيون ، والشافعي ، بل هو على حسب حال المبيع ، فمرة يكون ثلاثة ومرة أقل ، ومرة أكثر ، وليس الخيار في العقار ، كهو في الدواب ، والثياب ، هذا معنى قوله ذلك .

29973 - قال أبو عمر : لا يصح دعوى إجماع أهل المدينة في هذه المسألة ؛ لأن الاختلاف فيها بالمدينة معلوم .

29974 - وأي إجماع يكون في هذه المسألة إذا كان المخالف فيها منهم : عبد الله بن عمر ، وسعيد بن المسيب ، وابن شهاب ، وابن أبي ذئب ، وغيرهم ؟ وهل جاء فيها منصوصا الخلاف إلا عن أبي الزناد ، وربيعة ، ومالك ، ومن تبعه ؟ وقد اختلف فيها أيضا عن ربيعة فيما ذكر بعض الشافعيين .

29975 - وقال ابن أبي ذئب ، وهو من جلة فقهاء المدينة : من قال : إن البيعين ليسا بالخيار حتى يفترقا استتيب ، وجاء بقول فيه خشونة ، تركت ذكره ، وهو محفوظ عند العلماء .

[ ص: 234 ] 29976 - وأما احتجاج الكوفيين ، وغيرهم ، بعموم قول الله عز وجل : أوفوا بالعقود [ المائدة : 1 ] قالوا : وهذان قد تعاقدا ، وفي هذا الحديث إبطال الوفاء بالعقد ، فهذا ليس بشيء ، لأن المأمور به من الوفاء به من العقود ما لم يبطله الكتاب أو السنة ، كما لو عقدا بيعهما على ربا ، أو سائر ما لا يحل لهما .

29977 - واحتجوا أيضا بقوله - عليه السلام - " من ابتاع طعاما ، فلا يبعه حتى يستوفيه " ، قالوا : فقد أطلق بيعه إذا استوفاه قبل الافتراق ، وبعده .

29978 - وهذا عند من خالفهم مرتب على خيار المتبايعين قبل الافتراق ، لأنه ممكن استعمالهما معا ، فكيف يدفع أحدهما بالآخر مع إمكان استعمالهما .

29979 - واحتجوا بكثير من الظواهر ، والعموم ، مع إجماعهم على أنه لا يعترض في العموم بالخصوص ، ولا بالظواهر على النصوص .

29980 - وقالوا : قوله صلى الله عليه وسلم : " البيعان بالخيار ما لم يفترقا " على الندب ؛ بدليل قوله صلى الله عليه وسلم " من أقال نادما في بيع ، أو قال : في بيعته أقال الله عثرته يوم القيامة " . وبدليل قوله صلى الله عليه وسلم ، في حديث عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : " البيعان بالخيار ما لم يفترقا إلا أن يكون صفقة خيار ، ولا يحل له أن يفارق صاحبه خشية أن يستقيله " .

[ ص: 235 ] 29981 - وقال الشافعي : أما قوله صلى الله عليه وسلم : " من أقال نادما بيعته أقاله الله عثرته " ، فهذا على الندب ، لا شك فيه ، ولفظه يدل على ذلك .

29982 - وأما قوله : " البيعان بالخيار ما لم يفترقا " فليس في لفظه شيء يدل على الندب ، وإنما هو حكم ، وقضاء ، وشرع من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لا يحل لأحد خلافه برأيه .

29983 - قالوا : وأما قوله في حديث عمرو بن شعيب : لا يحل له أن يفارق صاحبه خشية أن يستقيله ، فلفظ منكر ، لإجماع علماء المسلمين أنه جائز له أن يفارقه ليتم بيعه ، وله أن لا يقيله إلا أن يشاء ، وقوله : " لا يحل " ، لفظه منكر بإجماع ، وبان أن الإقالة ندب وحصر ، لا إيجاب وفرض .

29984 - ومما يزيد ذلك بيانا فعل ابن عمر - رضي الله عنه ، فإنه كان إذا أراد أن يجب له البيع مشى حتى يفارق صاحبه ، ويغيب عنه ، وهو الذي روى الحديث ، وعلم معناه ومخرجه .

29985 - وحدثني عبد الوارث ، قال : حدثني قاسم ، قال : حدثني مطلب [ ص: 236 ] بن شعيب ، قال : حدثني عبد الله بن صالح ، قال : حدثني الليث قال : حدثني يوسف ، عن سالم ، قال : قال ابن عمر : كنا إذا تبايعنا كان كل واحد منا بالخيار ما لم نفترق ، فتبايعت أنا وعثمان مالا بالوادي بمال كثير ، فلما بايعته طفقت القهقرى على عقبي خشية أن يرادني عثمان قبل أن أفارقه .

29986 - قال أبو عمر : في قول ابن عمر : كنا إذا تبايعنا كان كل واحد منا بالخيار ما لم نفترق ، دليل على أن الافتراق عن المجلس كان أمرا معمولا به عندهم في بيعاتهم .

29987 - ذكر عبد الرزاق : قال : أخبرنا معمر ، قال : أخبرنا إسماعيل بن أمية ، عن نافع ، قال : كان ابن عمر إذا اشترى شيئا مشى ساعة قليلا ليتم له البيع ، ثم يرجع .

29988 - وروى سفيان بن عيينة ، عن ابن جريج ، عن نافع ، عن ابن عمر أنه كان إذا اشترى السلعة ، فأراد ألا يقيل صاحبه مشى شيئا قليلا ثم رجع .

29989 - وعن أبي برزة الأسلمي في رجل اشترى فرسا من رجل ، ثم أقام بقية يومهما ، وليلتهما لم يفترقا ، وندم أحدهما ، فلم يرد الآخر إقالته ، فاختصما إلى [ ص: 237 ] أبي برزة ، فقال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " البيعان بالخيار ما لم يفترقا " وما أراكما افترقتما .

29990 - وقد ذكرنا هذا الخبر بإسناده في " التمهيد " .

29991 - ولا أعلم أحدا خالفهما من الصحابة فيما ذهبا إليه من ذلك .

29992 - وقال عبد الرزاق ، أخبرنا معمر ، عن أيوب ، عن ابن سيرين ، عن شريح أنه شهده يختصم إليه في رجل اشترى من رجل بيعا ، فقال : إني لم أرضه فقال الآخر : بل قد رضيته ، فقال شريح : بينتك أنكما تصادرتما عن رضا بعد البيع ، أو خيار ، وإلا فيمينه بالله ما تصادرتما بعد البيع عن رضا ، ولا خيار .

29993 - قال : وأخبرنا الثوري ، عن عبد الله بن أبي السفر ، عن الشعبي ، عن شريح ، قال : البيعان بالخيار ما لم يتفرقا .

29994 - قال عبد الرزاق : قال هشام بن يوسف - قاضي [ ص: 238 ] صنعاء : إذا جاء الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم ، فليس ينبغي أن يترك إلا أن يأتي عنه خلافه .

29995 - ومما احتج به من لم ير للمتبايعين خيارا في المجلس أن يكون التفرق بالكلام كعقد النكاح ، أو كوقوع الطلاق الذي سمى الله : فراقا .

29996 - قالوا : والتفرق بالكلام في لسان العرب معروف كما هو بالأبدان .

29997 - واحتجوا بقول الله عز وجل : وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته [ النساء : 130 ] وبقوله تعالى [ ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا [ آل عمران : 105 ] وبقوله عز وجل فرقوا دينهم [ الأنعام : 159 ] ، وبقوله صلى الله عليه وسلم " تفترق أمتي " ونحو هذا مما لم يرد به الافتراق بالأبدان .

[ ص: 239 ] 29998 - فيقال لهم : أخبرونا عن الكلام الذي وجب به الإجماع في البيع ، وتمت به الصفقة ، أهو الكلام الذي أريد به الافتراق في الحديث المذكور ، أو غيره ؟ ، فإن قالوا : هو غيره ، فقد أحالوا وجاءوا بما لا يعقل ؛ لأنه ليس ثم كلام غيره ، وإن قالوا : هو ذلك الكلام بعينه ، قيل لهم : كيف يجوز أن يكون الكلام الذي به اجتمعا عليه ، وبه تم بيعهما له افترقا ، وهذا ما لا يفهمه ذو عقل وإنصاف .

29999 - وأما قول من قال : المتبايعان هما المتساومان ، فلا وجه له ؛ لأنه لا يكون حينئذ في الكلام فائدة ؛ لأنه معقول أن كل واحد في ماله وسلعته بالخيار قبل السوم ، وما دام قبل الشراء متساوما حتى يمضي البيع ويعقده ويرضاه ، وكذلك المشتري بالخيار قبل الشراء ، وفي حين المساومة أيضا ، هذا معلوم بالعقل ، والفطرة ، والشريعة ، وإذا كان هذا كذلك ، بطلت فائدة الخبر ، وقد جل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخبر بما لا فائدة فيه .

30000 - وأما حديث ابن مسعود في اختلاف المتبايعين فقد قال مالك في " الموطأ " :



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث