الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                        صفحة جزء
                                                                                                                        29073 - قال مالك : الأمر عندنا فيمن سلف في طعام بسعر معلوم إلى أجل مسمى ، فحل الأجل ، فلم يجد المبتاع عند البائع وفاء مما ابتاع منه فأقاله ، فإنه لا ينبغي له أن يأخذ منه إلا ورقه أو ذهبه ، أو الثمن الذي دفع إليه بعينه ، وإنه لا يشتري منه بذلك الثمن شيئا ، حتى يقبضه منه ، وذلك أنه إذا أخذ غير الثمن الذي دفع إليه [ ص: 24 ] أو صرفه في سلعة غير الطعام الذي ابتاع منه ، فهو بيع الطعام قبل أن يستوفى .

                                                                                                                        29074 - قال مالك : وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الطعام قبل أن يستوفى .

                                                                                                                        التالي السابق


                                                                                                                        29075 - قال أبو عمر : اختلف الفقهاء في الشراء برأس مال المسلم من المسلم إليه شيئا بعد الإقالة ، فقول مالك ما وصفه في موطئه : لا يجوز حتى يقبض منه رأس ماله قبضا صحيحا .

                                                                                                                        29076 - وهو قول أبي حنيفة ، وأبي يوسف ، ومحمد بن الحسن ، إلا أن مالكا لا يرى غير الطعام في ذلك كالطعام ، وإذا تقايلا عنده في غير الطعام ، جاز أن يأخذ من الطعام برأس ماله ما شاء إذا خالف جنس ما تقايلا فيه ، وتعجل ذلك ولا يؤخره .

                                                                                                                        29077 - وكذلك جائز عنده أن يشتري منه من غيره من جنسه وغير جنسه ، ويحيل عليه ، وإذا تقايلا في الطعام سلما كان أو غيره لم يجز له أن يأخذ منه برأس ماله شيئا من الأشياء ، لأنه بيع الطعام قبل أن يستوفى .

                                                                                                                        29078 - وأما أبو حنيفة وأصحابه فلا يجوز عندهم شيء من ذلك في الطعام ، ولا في غيره من العروض كلها .

                                                                                                                        29079 - وهو قول أحمد ، وإسحاق ، قالا : بيع السلم من بائعه ومن غيره [ ص: 25 ] قبل قبضه فاسدة .

                                                                                                                        29080 - وحجتهم حديث عطية الكوفي ، عن أبي سعيد الخدري ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من سلف في شيء فلا يصرفه إلى غيره " .

                                                                                                                        29081 - وما روي عن جماعة من السلف أنهم قالوا حين سئلوا عن ذلك : خذ ما سلمت فيه أو رأس مالك ، ولا تأخذ غير ذلك .

                                                                                                                        29082 - روي ذلك عن ابن عمر ، والحسن ، وعكرمة وجابر بن زيد ، وغيرهم .

                                                                                                                        29083 - وحجة مالك قد أوضحها على مذهبه .

                                                                                                                        29084 - وقال الشافعي ، والثوري ، وزفر : لا بأس أن يشتري السلم إذا أقال من سلمه ما شاء برأس ماله من المسلم إليه ومن غيره قبل قبضه له ، لأنه [ ص: 26 ] قد ملك كل واحد منهما بالإقالة البدل منها ، فإذا ملك رأس ماله بالإقالة جاز له التصرف فيه ، لأن العقد الأول قد بطل بالإقالة ، ولا حجة لمخالفه في حديث أبي سعيد الخدري ، وما كان مثله ، لأنه لم يصرف ما سلم فيه في غيره .

                                                                                                                        29085 - ومعنى النهي عن ذلك عندهم هو بيع ما سلم فيه قبل استيفائه ، فذلك هو صرفه .

                                                                                                                        29086 - قال أبو عمر : أصل هذه المسألة عند مالك وأصحابه الحكم بقطع الذرائع كان المسلم والمسلم إليه لما علما أن فسخ البيع في شيء آخر لا يجوز ، ذكر الإقالة ذكرا لا حقيقة له يستجيز بذلك صرف الطعام في غيره ، وذلك بيعه قبل استيفائه .

                                                                                                                        29087 - وقد أجمعوا أنه لو لم يستقل لم يجز له صرف رأس المال في غيره كما لا يجوز له صرف رأس ماله في دراهم أو دنانير أكثر منها .




                                                                                                                        الخدمات العلمية