الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                        صفحة جزء
                                                                                                                        29248 - قال مالك : من اشترى طعاما بسعر معلوم إلى أجل مسمى ، فلما حل الأجل ، قال الذي عليه الطعام لصاحبه : ليس عندي طعام ، فبعني الطعام الذي لك علي إلى أجل ، فيقول صاحب الطعام : هذا لا يصلح ، لأنه قد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الطعام حتى يستوفى ، فيقول الذي عليه الطعام لغريمه : فبعني طعاما إلى أجل حتى أقضيكه ، فهذا لا يصلح ، لأنه إنما يعطيه طعاما ثم يرده إليه ، فيصير الذهب الذي أعطاه ثمن الذي كان له عليه ، ويصير الطعام الذي أعطاه محللا فيما [ ص: 58 ] بينهما ، ويكون ذلك ، إذا فعلاه ، بيع الطعام قبل أن يستوفى .

                                                                                                                        التالي السابق


                                                                                                                        29249 - قال أبو عمر : أما إذا كان على حسب ما وصفه مالك ، فإنه أمر مكشوف ، فقد عقدا عليه غريمتها ، وظهر ذلك في فعلهما إذا قال له لا أبيعك الطعام الذي سلمت فيه إليك ، وحتى أقبضه ، فقال له : بعني طعاما إلى أجل أصرفه إليك فضامن طعامك ، ويبقى ثمنه على مكانه ، إنما باعه الطعام الذي كان عليه بالثمن الذي عقده في الطعام الآخر ، فصار بيع الطعام قبل قبضه إلى سائر ما يدخله من وجوه الربا ، لأنه قد صرف الطعام الذي اشترى منه إليه ، وصار فعلهما ذلك ذريعة إلى تحليل ما لا يحل في بيع الطعام قبل أن يستوفى .

                                                                                                                        29250 - وأما إذا ابتاع رجل طعاما من غريم له عليه طعام من غير شرط ، ولا إعادة معروفة ، ثم قضاه منه ، فإن ذلك جائز عند الشافعي ، وعند كل من لا يقول بإعمال الظن ، لقطع الذريعة ، لأن الله عز وجل لم يحرم على أحد أن يبتاع من غريمه سلعة بعد سلعة ، وأن يعامله معاملة بعد معاملة إذا كانا من أهل السلامة ، فإذا ملك الطعام الذي ابتاع منه بغير شرط ، ولا كلام هو كالشرط ، [ ص: 59 ] وقبضه ، وجائز فيه تصرفه ، جاز له أن يقضي منه ذلك الغريم ما عليه من الطعام ، كما له أن يفعل فيه ما أحب .

                                                                                                                        29251 - ولا يجوز ذلك عند مالك ، لأن الفعل القبيح عنده كأنه قد شرطه ، وقصده ، ولا ينفع عنده القول الحسن في البيع إذا كان الفعل قبيحا ، كما لا يضره عنده القول القبيح إذا كان الفعل حسنا .

                                                                                                                        29252 - ألا ترى أنه يجيز ما لا يجيزه أحد من العلماء غيره ، وذلك قول الرجل : أبيعك سلعتي هذه بكذا ، وكذا درهما على أن تعطيني في تلك الدراهم دينارا ، فأجاز ذلك مالك مع قبح الكلام ، لأنه يجمع بيقين في بيعه ، وصرفا متأخرا عند غيره ، وأما عنده ، فإنما باعه تلك السلعة بالدينار ، وكان ذكر الدراهم عنده لغوا ، لم يلتفت إليه .

                                                                                                                        29253 - وأما الشافعي ، فإنه لا يراعي فيما يحل ويحرم من البيوع بين المتبايعين إلا ما اشترطا ، وذكرا بألسنتهما ، وظهر من قولهما لإجماع العلماء على أنه إذا قال له : أبيعك هذه الدراهم بدنانير أنظرك بها حولا ، أو شهرا لم يحل ، ولو قال : أسلفني دراهم ، وأمهلني بها حولا ، أو شهرا جاز ، وليس بين ذلك الاختلاف لفظ القرض ، ولفظ البيع .




                                                                                                                        الخدمات العلمية