الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تعليق ابن تيمية

قلت: أحمد لم يذكر العهد الأول، وإنما قال: الفطرة الأولى التي فطر الناس عليها، وهي الدين. وقد قال في غير موضع: إن الكافر إذا مات أبواه أو أحدهما، حكم بإسلامه. واستدل بهذا الحديث: كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه. فدل على أنه فسر الحديث: بأنه يولد على فطرة الإسلام، كما جاء ذلك مصرحا به في الحديث: ولو لم يكن كذلك لما صح استدلاله بالحديث.

وقوله في موضع آخر: يولد على ما فطر عليه من شقاوة وسعادة لا ينافي ذلك، فإن الله تعالى قدر الشقاوة والسعادة وكتبها، وقدر أنها تكون بالأسباب التي تحصل بها، كفعل الأبوين. فتهويد الأبوين وتنصيرهما وتمجيسهما هو مما قدره الله تعالى.

والمولود ولد على الفطرة سليما، وولد على أن هذه الفطرة السليمة [ ص: 362 ] يغيرها الأبوان، كما قدر الله تعالى ذلك وكتبه. كما مثل النبي -صلى الله عليه وسلم- ذلك بقوله: « كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء» ، فبين أن البهيمة تولد سليمة، ثم يجدعها الناس، وذلك بقضاء الله وقدره، فكذلك المولود يولد على الفطرة سليما، ثم يفسده أبواه، وذلك أيضا بقضاء الله وقدره.

وإنما قال الأئمة: ولد على ما فطر عليه من شقاء وسعادة، لأن القدرية كانوا يحتجون بهذا الحديث على أن الكفر والمعاصي ليس بقدر الله، بل مما فعله الناس، لأن كل مولود يولد خلقه على الفطرة، وكفره بعد ذلك من الناس.

ولهذا قالوا لمالك بن أنس: إن القدرية يحتجون علينا بأول الحديث، فقال: احتجوا عليهم بآخره. وهو قوله: الله أعلم بما كانوا عاملين.

فبين الأئمة أنه لا حجة فيه للقدرية، فإنهم لا يقولون إن نفس الأبوين خلقا تهوده وتنصره، بل هو تهود وتنصر باختياره، لكن كانا سببا في ذلك بالتعليم والتلقين، فإذا أضيف إليهم بهذا الاعتبار، فلأن يضاف إلى الله الذي هو خالق كل شيء بطريق الأولى، لأن الله، وإن خلقه مولودا على الفطرة سليما، فقد قدر عليه ما سيكون بعد ذلك من تغييره وعلم ذلك.

كما في الحديث الصحيح: (إن الغلام الذي قتله الخضر يوم طبع [ ص: 363 ] كافرا، ولو بلغ لأرهق أبويه طغيانا وكفرا) .

فقوله: طبع، أي طبع في الكتاب، أي قدر وقضي، لا أنه كان كفره موجودا قبل أن يولد، فهو مولود على الفطرة السليمة، وعلى أنه بعد ذلك يتغير فيكفر، كما طبع كتابه يوم طبع.

ومن ظن أن المراد به الطبع على قلبه، وهو الطبع المذكور على قلوب الكفار، فهو غالط. فإن ذلك لا يقال فيه: طبع يوم طبع، إذ كان الطبع على قلبه إنما يوجد بعد كفره.

وقد ثبت في صحيح مسلم وغيره عن عياض بن حمار « عن النبي -صلى الله عليه وسلم- فيما يروي عن ربه تعالى أنه قال: خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا» . وهذا صريح في أنه خلقهم على الحنيفية، وأن الشياطين اجتالتهم بعد ذلك.

وكذلك في حديث الأسود بن سريع الذي رواه أحمد وغيره، قال: « بعث النبي -صلى الله عليه وسلم- سرية، فأفضى بهم القتل إلى الذرية، فقال لهم النبي -صلى الله عليه وسلم-: ما حملكم على قتل الذرية؟ قالوا: يا رسول الله: أليسوا أولاد المشركين؟ قال: أوليس خياركم أولاد [ ص: 364 ] المشركين؟ ثم قام النبي -صلى الله عليه وسلم- خطيبا فقال: ألا إن كل مولود يولد على الفطرة حتى يعرب عنه لسانه» . فخطبته لهم بهذا الحديث عقب نهيه عن قتل أولاد المشركين، وقوله لهم: أوليس خياركم أولاد المشركين؟ يبين أنه أراد أنهم ولدوا غير كفار، ثم الكفر طرأ بعد ذلك. ولو كان أراد أن المولود حين يولد يكون إما كافرا وإما مسلما على ما سبق له القدر - لم يكن فيما ذكره حجة على ما قصده -صلى الله عليه وسلم- من نهيه لهم عن قتل أولاد المشركين.

وقد ظن بعضهم أن معنى قوله: « أوليس خياركم أولاد المشركين؟» معناه: لعله أنه قد يكون سبق في علم الله أنهم لو بقوا لآمنوا، فيكون النهي راجعا إلى هذا المعنى من التجويز. وليس هذا معنى الحديث، ولكن معناه: إن خياركم هم السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار، هؤلاء من أولاد المشركين، فإن آباءهم كانوا كفارا، ثم إن البنين أسلموا بعد ذلك، فلا يضر الطفل أن يكون من أولاد المشركين إذا كان مؤمنا، فإن الله إنما يجزيه بعمله لا بعمل أبويه، وهو سبحانه يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي، ويخرج المؤمن من الكافر، ويخرج الكافر من المؤمن. [ ص: 365 ]

وهذا الحديث قد روي بألفاظ يفسر بعضها بعضا، ففي الصحيحين - واللفظ للبخاري - عن ابن شهاب، عن أبي سلمة، « عن أبي هريرة قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ما من مولود يولد إلا على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء؟ ثم يقول أبو هريرة: اقرءوا: فطرت الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم [سورة الروم:30]، قالوا: يا رسول الله: أفرأيت من يموت صغيرا؟ قال: الله أعلم بما كانوا عاملين» .

وفي الصحيح: قال الزهري: يصلى على كل مولود متوفى وإن كان لغية، من أجل أنه ولد على فطرة الإسلام إذا استهل صارخا، ولا يصلى على من لم يستهل من أجل أنه سقط، وإن أبا هريرة كان يحدث أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ما من مولود إلا ويولد على الفطرة، فأبواه يهودانه وينصرانه أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء؟ ثم يقول أبو هريرة: فطرت الله التي فطر الناس عليها [سورة الروم:30]» .

وفي الصحيح من رواية الأعمش: « ما من مولود يولد إلا وهو على [ ص: 366 ] الملة» . وفي رواية أبي معاوية عنه: إلا على هذه الملة حتى يبين عنه لسانه، فهذا صريح في أنه يولد على ملة الإسلام، كما فسره ابن شهاب راوي الحديث، واستشهاد أبي هريرة بالآية يدل على ذلك.

قال ابن عبد البر في التمهيد: (روي هذا الحديث عن النبي -صلى الله عليه وسلم- من حديث أبي هريرة وغيره، فممن رواه عن أبي هريرة سعيد بن المسيب، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وحميد بن عبد الرحمن، وأبو صالح السمان، وعبد الرحمن الأعرج، وسعيد بن أبي سعيد، ومحمد بن سيرين) .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث