الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل في الكفارة

جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 257 ] فصل في الكفارة [ ص: 258 ] قال ( وكفارة الظهار عتق رقبة ) فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين ، ( فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا ) للنص الوارد فيه فإنه يفيد الكفارة على هذا الترتيب . قال ( وكل ذلك قبل المسيس ) وهذا في الإعتاق ، والصوم ظاهر للتنصيص عليه ، وكذا في الإطعام لأن الكفارة فيه منهية للحرمة فلا بد من تقديمها على الوطء ليكون الوطء حلالا قال ( وتجزي في العتق الرقبة الكافرة والمسلمة والذكر والأنثى والصغير والكبير ) لأن اسم الرقبة ينطلق على هؤلاء إذ هي عبارة عن الذات المرقوق المملوك من كل وجه ،

[ ص: 259 ] والشافعي يخالفنا في الكافرة ويقول : الكفارة حق الله تعالى فلا يجوز صرفه إلى عدو الله كالزكاة ، ونحن نقول : المنصوص عليه إعتاق الرقبة وقد تحقق ، وقصده من الإعتاق التمكن من الطاعة ثم مقارفته المعصية يحال به إلى سوء اختياره

التالي السابق


( فصل في الكفارة )

[ ص: 258 ] قوله عتق رقبة ) أي إعتاقها ، فإنه لو ورث من يعتق عليه فنوى به الكفارة مقارنا لموت المورث لا يجزيه عنها ( قوله وكذا في الإطعام ) يعني يجب كونه قبل المسيس كأخويه ، والنص لا يوجب بلفظه ذلك فيه فعلله وألحقه بهما . وحاصله عقلية لأن الكفارة منهية بالتنصيص على إيجادهما قبل التماس ، وهذا كفارة مثلهما فيجب كونه قبل التماس ، وما قدمنا روايته من الحديث المصحح من { قوله صلى الله عليه وسلم للذي واقع قبل التكفير اعتزلها حتى تكفر } مطلق من غير تفصيل فيجب إجراؤه على إطلاقه . لا يقال هذا كله يتراءى أنه زيادة على إطلاق النص بالخبر والقياس ، وهو لا يجوز ، وذلك لأنه تعالى قيد التحرير بكونه قبل المسيس فقال { فتحرير [ ص: 259 ] رقبة من قبل أن يتماسا } .

ثم أعاد القيد المذكور مع الصيام فقال { فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا } ثم أطلق الإطعام عنه بقوله تعالى { فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا } فلو أريد التقييد في الإطعام لذكر كما ذكر فيهما بل تخصيصه بالإطلاق بعدما نص على تكرير القيد مع التخصيص غير مكتفى به لتقييده في التحرير قرينة على قصد الإطلاق فيه ، وما قيل ذكره مرتين تنبيه على إرادة تكرره مطلقا إذ هو دفع لتوهمها اختصاصه بالخصلة الأولى لو اقتصر عليه معها ولتوهم اختصاصه بالأخيرة لو اقتصر عليه معها وللتطويل لو أعاد معها بعدهما فكلامه غير جار على قوانين الاستدلال بل هو تحسين ، ثم هو معارض بما قلنا من أن تخصيصه بالإطلاق بعد تكرير القيد مع أخويه ظاهر في إرادة انفراده عنهما بمعنى الإطلاق فلا يتخرج على القواعد إلا إن تحقق فيه إجماع في عصر من الأعصار .

والثابت فيه الآن قولان عن الشافعي وروايتان عن أحمد . لأنا نقول الثابت بالنص افتراض الإطعام شرطا لحل المظاهر منها مطلقا وقد جرينا على موجب ذلك ، ونحن لم نقيد اشتراطه للحل بكونه قبل المسيس فيكون زيادة بل أوجبنا ذلك بخبر الواحد والإلحاق بالخصلتين في وجوب التقديم لا في اشتراطه للحل ، والأصل وإن كان الافتراض فالمتعدى إلى الفرع منه الوجوب . لا يقال حينئذ يختلف الحكم في الأصل والفرع لأنا نقول : الوصف الذي زاد به الفرض على الوجوب ليس من الحكم فإن الحكم هو الإيجاب ، غير أنه إن كان ثبوته قطعيا سمي فرضا ، وليس كيفية الثبوت جزء ماهية الحكم بل جزء مفهوم لفظ الفرض تأمل ، وعما قلنا من عدم اشتراطه للحل واعتبار الإطلاق في ذلك قال أبو حنيفة فيمن قرب التي ظاهر منها في خلال الصوم يستأنف ، ولو قربها في خلال الإطعام لا يستأنف ، لأن الله تعالى قيد الصيام بكونه قبل التماس وأطلق في الإطعام ، ولا يحمل الإطعام على الصيام لأنهما حكمان مختلفان وإن اتحدت الحادثة .

( قوله من كل وجه ) متصل بالمرقوقة فلذا لو أعتق أم ولده ومدبره لا يجزيه عنها ، بخلاف المكاتب الذي لم يؤد شيئا وعن ذلك يصح إعتاق الرضيع لصدق الاسم عليه ( قوله الكفارة حق الله تعالى ) المشهور بناء الخلاف على أن المطلق هل يحمل على المقيد أو لا ؟ فعنده نعم وعندنا لا ، إلا في حكم واحد في حادثة واحدة لأنه حينئذ يلزم ذلك لزوما عقليا ، إذ الشيء لا يكون نفسه مطلوبا إدخاله في الوجود مطلقا ومقيدا كالصوم في كفارة اليمين ، ورد مطلقا ومقيدا بالتتابع في القراءة المشهورة التي تجوز الزيادة بمثلها وللكلام في تحقيق هذا الأصل فمن غير هذا ، ولو تنزلنا إلى أصلها لم يلزم من التصديق في كفارة الأمر الأعظم وهو القتل ثبوت مثله فيما هو أخف منه ليكون التقييد فيه بيانا في المطلق . وتقرير ما في الكتاب أن الكفارة وهي الإعتاق حق الله تعالى فلا يجوز صرفها إلى عدو الله ، إذ الإعتاق يتعلق به ويتحقق أثره له وهو العتق كالزكاة .

والجواب أن هذا لا يعارض [ ص: 260 ] إطلاق النص إلا إذا كان مانعا عقليا منه ، وليس كذلك لجواز أن يأذن الله تعالى في الإحسان والتمليك تصدقا على الكافر بالأمور الدنيوية ، وقد ثبت ذلك على ما قدمناه في كتاب الزكاة ، قال صلى الله عليه وسلم { تصدقوا على أهل الأديان } والاتفاق على جواز الصدقة النافلة عليه مع أن المقصود منها التقرب إلى الله تعالى ، فلولا أن مقصود القربة إلى الله تعالى يحصل بذلك لم تشرع أصلا ، ولا يزيد الفرض على كونه قربة إليه تعالى إلا بكونه مأمورا به ، ولا يظهر لوصف المأمورية أثر في منافاة كون محله كافرا بعدما ثبت أنه لا ينافي معنى القربة ، ولولا النص الذي يخص الزكاة لقلنا بجواز دفعها لفقراء أهل الذمة ، وهذا لأن التقرب بفعل الفاعل يحصل لا بخصوص محل فعله ، وهو إنما يعتقه لتمكنه من الطاعات بالإسلام شكرا لله تعالى على ما أنعم عليه من تخليصه من رقبة الرق لا لغير ذلك ، ثم افتراقه هو الكفر لسوء اختيار منه على نفسه ، فظهر ثبوت معنى التقرب بإعتاقه . هذا ويدخل في الكافرة المرتد والمرتدة ، ولا خلاف في إعتاق المرتدة لأنها لا تقتل ، وإعتاق العبد الحربي في دار الحرب لا يجزيه عن الكفارة ، وإعتاق المستأمن يجزيه .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث