الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


[ ص: 69 ] ( 24 ) باب الحكرة والتربص .

1313 - مالك ، أنه بلغه أن عمر بن الخطاب قال : لا حكرة في [ ص: 70 ] سوقنا . لا يعمد رجال بأيديهم فضول من أذهاب ، إلى رزق من رزق الله نزل بساحتنا ، فيحتكرونه علينا ، ولكن أيما جالب جلب على عمود كبده في الشتاء والصيف ، فذلك ضيف عمر ، فليبع كيف شاء الله . وليمسك كيف شاء الله .

1314 - مالك ، عن يونس بن يوسف ، عن سعيد بن المسيب ، أن عمر بن الخطاب مر بحاطب بن أبي بلتعة ، وهو يبيع زبيبا له بالسوق . فقال له عمر بن الخطاب : إما أن تزيد في السعر . وإما أن ترفع من سوقنا .

1315 - مالك ، أنه بلغه : أن عثمان بن عفان كان ينهى عن الحكرة .

[ ص: 71 ]

التالي السابق


[ ص: 71 ] 29297 - قال أبو عمر : أما النهي عن الحكرة ، فقد روي فيها عن النبي صلى الله عليه وسلم عن الحكرة من وجه صحيح ، إلا أن معناها الطعام الذي يكون قوتا عند الحاجة إليه .

29298 - حدثني سعيد بن نصر ، قال : حدثني قاسم بن أصبغ ، قال : حدثني محمد ، قال حدثني أبو بكر ، قال حدثني يزيد بن هارون ، عن محمد بن إسحاق ، عن محمد بن إبراهيم ، عن سعيد بن المسيب ، عن معمر بن عبد الله بن نضلة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا يحتكر إلا خاطئ " .

29299 - ورواه محمد بن فضيل ، عن ابن إسحاق بإسناده مثله ، وزاد قال : وكان معمر محتكرا .

29300 - ورواه ابن عجلان ، عن محمد بن عمرو ، عن سعيد بن المسيب ، عن معمر بن عبد الله ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سمعه يقول : " لا يحتكر إلا خاطئ " [ ص: 72 ] 29301 - قال : فكان سعيد بن المسيب يحتكر ، فقيل له : فقال : كان معمر يحتكر .

29302 - قال أبو عمر : إنما كان سعيد بن المسيب ، ومعمر يحتكران الزيت ، وليس عليه مخرج الحديث .

29303 - حدثني سعيد بن نصر ، وعبد الوارث بن سفيان ، قالا : حدثني قاسم بن أصبغ ، قال : حدثني محمد بن وضاح ، قال : حدثني أبو بكر بن أبي شيبة ، قال : حدثني أبو أسامة ، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر ، قال : حدثني القاسم بن أمامة ، قال : نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يحتكر الطعام .

29304 - قال : وروى ابن عيينة ، عن عمرو بن دينار ، قال : رأيت جرار سعيد بن المسيب التي كان يحتكر فيها الزيت قد أخرجت ، وأقيمت في الطريق .

29305 - قال أبو عمر : وأما حديث عمر في قصة حاطب ، فروى سفيان بن عيينة عن كثير بن المطلب بن أبي وداعة ، عن عبد الله بن واقد بن عبد الله بن عمر : أن عمر بن الخطاب قال : من جاء أرضا بسلعة ، فليبعها كيف شاء ، وهذا سوقنا ، ولا يبع في سوقنا محتكر .

[ ص: 73 ] 29306 - وذكر عبد الله بن وهب ، قال : أخبرني عمرو بن الحارث أنه سمع عبد الرحمن بن القاسم ، وعمر بن عبد الله بن عروة بن الزبير ، ويحيى بن سعيد ، وذكر رجل في المجلس قول عمر بن الخطاب لحاطب بن أبي بلتعة : إما أن يبيع بسعر السوق ، وإما أن يخرج من سوقنا ، فقالوا جميعا : قد سمعنا هذا ، قالوا : قال ابن وهب : وقال لي ابن سمعان : من فعل هذا من الولاة لا أصل أصاب ، ومن أقام على الناس ما بأيديهم من السلع جهل السنة ، وأثم في القيمة ، وأطعم المشتري بما لا يصلح له ، وإنما السعر يدا بيد ، هو يخفضه ، ويرفعه ليس إلى الناس من ذلك شيء .

29307 - قال : وسمعت مالك بن أنس يقول : لا يسعر على أهل الأسواق فإن ذلك ظلم ، ولكن إذا كان في السوق عشرة أصوع ، فحط هذا صاعا أمر أن يخرج من السوق .

29308 - وقال ابن القاسم ، عن مالك : لا تقوم على أحد سلعته ، وإنما يصنع في ذلك كما صنع ابن الخطاب بحاطب .

29309 - قال ابن القاسم : الفواكه كلها ، والآدام ، والطعام ، وجميع الأشياء لا يقوم شيء منها بشيء منها على أهل الحوانيت ، ولا غيرهم ، وإنما يقال للواحد والاثنين : إما أن تلحقا بأسعار الناس ، وإما قوما من السوق .

[ ص: 74 ] 29310 - قال : وإن كان واحدا ، واثنين ، أو ثلاثة رفعوا في السعر فحطوا مما يبيع الناس لم يقم لهم أهل السوق ، ولا يقام الكثير للقليل .

29311 - وأما الحكرة ، فإن مالكا قال : إذا قل الطعام في السوق ، واحتاج الناس إليه ، فمن اشترى منه شيئا للحكرة ، فهو مضر للمسلمين معتد في فعله ذلك ، فمن فعله ، فليخرجه إلى السوق ، وليبعه من أهل السوق بما ابتاعه ، ولا يزدد فيه ، وأما إذا كثر الطعام في الأسواق ، وباروا ، استغنى المسلمون عنه ، فلا بأس حينئذ بالابتياع للحكرة ، قال : وجميع الأشياء في ذلك كالطعام .

29312 - قال أبو عمر : روى عبد العزيز بن محمد الدراوردي ، عن داود بن صالح التمار أنه سمع القاسم بن محمد يقول : مر عمر بن الخطاب بحاطب ، وهو يبيع زبيبا ، فقال له عمر : كيف تبيع ؟ فذكر له سعرا ، فقال له عمر : إما أن تزيد في السعر ، وإما أن ترفع ، فرفع ، فجاء عمر بنفسه ، ثم رجع إلى حاطب ، فقال له : إنما أخبرت أن عيرا مقبلة من الطائف بزبيب ، فأحببت أن تعتبر بسعرك ، فبع كيف شئت .

29313 - هكذا رواه طائفة عن الدراوردي منهم : ابن وهب ، وأبو أحمد الزبيري .

[ ص: 75 ] 29314 - وعنه داود بن صالح التمار في هذا المعنى حديث مرفوع رواه عن أبيه وعن أبي سعيد الخدري ، وداود هذا مدني مولى للأنصار وليس به بأس .

29315 - وأما الشافعي ، فروى عن الدراوردي ، عن داود بن صالح التمار ، عن القاسم بن محمد ، عن عمر أنه مر بحاطب بن أبي بلتعة ، وبين يديه غرارتان ، فيهما زبيب ، فذكر نحو حديث مالك : إما أن ترفع في السعر ، وإما أن تدخل زبيبك بيتك ، فتبيعه كيف شئت ، فلما رجع عمر حاسب نفسه ، ثم أتى حاطبا في داره ، فقال له عمر : إن الذي قلت ليس بعزيمة مني ، ولا قضاء ، وإنما هو شيء [ ص: 76 ] أردت به الخير لأهل البلد ، فحيث شئت ، وكيف شئت فبع .

29316 - قال الشافعي : وليس هذا بخلاف لما رواه مالك ، لأن مالكا روى بعض الحديث ، وهذا العصاة .

29317 - قال الشافعي : والناس مسلطون على أحد لهم ، ليس لأحد أن يأخذها ، ولا شيئا منها بغير طيب أنفسهم إلا في المواضع التي أوجب الله تعالى عليهم فيها الحقوق ، وليس هذا منها .

29318 - قال الشافعي : والحكرة المكروهة فيما هو قوت ، وعن الناس قوام لأبدانهم كالحنطة والشعير ، وما كان مثلها عند عدمها . فلا يجوز لأحد الحكرة في حاجة الناس حتى لا يجدوا منه إلا ما يتبلغون به .

فحينئذ لا ينبغي لأحد أن يخرج ذهبه ، وورقه ، فيزاحم الناس على شر الطعام ليحتكره ، ويغلي على الناس أسعارهم ، وليمنع من ذلك ، ويؤدب عليه . وأما الفاكهة ، والآدام كله ، فلا بأس بحكرته في كل وقت ، وكان سعيد بن المسيب يحتكر الزيت .

29319 - وقول أبي حنيفة ، وأصحابه في الحكرة نحو ذلك ، وقالوا : لا يجوز التسعير على الناس ، ولا يصلح ، لأن الله عز وجل يقول : لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم 4 [ النساء : 29 ] .

29320 - وقال الليث بن سعد : وهو قول ربيعة ، ويحيى بن سعيد : لا بأس [ ص: 77 ] بالتسعير على البائعين للطعام إذا خيف منهم أن يفسدوا أسواق المسلمين ، ويغلوا أسعارهم ، وحق على الوالي أن ينظر للمسلمين فيما يصلحهم ، ويعمهم نفعه .

29321 - قال الليث : وقال ربيعة : السوق موضع عصمة ، ومنفعة للمسلمين ، فلا ينبغي للوالي أن يترك أهل الأسواق ، وما أرادوه من أنفسهم إذا كان في [ ص: 78 ] ذلك فساد لغيرهم ، ولو كان في ذلك إخراجهم من السوق ، وإدخال غيرهم فيه ، والقيمة حسنة ولا بد منها عند الحاجة إليها مما لا يكون فسادا ينفر به الجالب ، ويمتنع به التاجر من البيع ، لأن ذلك أيضا باب فساد لا يدخل على الناس ، ولم يكن رأي الوالي إقامة السوق ، وإصلاحها .

29322 - قال ربيعة : وإصلاح الأسواق حلال .

29323 - وقال أبو عمر : روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يمنع من التسعير من وجوه صحيحة لا بأس بها .

29324 - حدثني عبد الوارث بن سفيان ، قال : حدثني قاسم بن أصبغ ، قال : حدثني قاسم بن إسماعيل ، قال : حدثني عبد العزيز بن عبد الله الأويسي ، وحدثني عبد الله بن محمد ، قال : حدثني محمد بن بكر ، قال حدثني أبو دواد ، قال : حدثني محمد بن عثمان الدمشقي ، قالا : حدثني سليمان بن بلال ، قال : حدثني العلاء بن عبد الرحمن ، عن أبيه ، عن أبي هريرة أن رجلا جاء إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ! سعر ، فقال : بل أدعو الله ، ثم جاءه رجل ، فقال : يا رسول الله ! سعر ، فقال : بل الله يرفع ويخفض ، وإني لأرجو أن ألقى الله وليست لأحد عندي مظلمة .

[ ص: 79 ] 29325 - وحدثني عبد الوارث بن سفيان ، وسعيد بن نصر ، قالا : حدثني قاسم بن أصبغ ، قال : حدثني محمد بن وضاح ، قال : حدثني أبو بكر بن أبي شيبة ، وحدثني عبد الله بن محمد ، قال : حدثني محمد بن بكر ، قال : حدثني أبو داود ، قال : حدثني عثمان بن أبي شيبة ، قالا : حدثني عثمان ، قال : حدثني حماد بن سلمة ، قال : أخبرنا ثابت ، وقتادة ، عن حميد عن أنس قال : غلا السعر بالمدينة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال الناس : يا رسول الله ! سعر لنا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الله هو المسعر ، القابض ، الباسط ، الرازق ، وإني لأرجو أن ألقى الله ، ولا أرى أحدا يطلبني بالمظلمة في مال ، ولا دم .

29326 - ورواه سفيان بن موسى عن أنس ، عن ثابت ، عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله .

29327 - وروي عن علي بن أبي طالب مثله أنه سئل التسعير ، وأن يقوم السوق ، فأبى وكره ذلك حتى عرفت الكراهة فيه ، وقال : السوق بيد الله يخفضها ، ويرفعها .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث