الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


[ ص: 210 ] ( 37 ) باب البيع على البرنامج .

1335 - قال مالك : الأمر عندنا في القوم يشترون السلعة ، البز أو الرقيق . فيسمع به الرجل فيقول لرجل منهم : البز الذي اشتريت من فلان [ ص: 211 ] قد بلغتني صفته وأمره ، فهل لك أن أربحك في نصيبك كذا وكذا ؟ فيقول : نعم ، فيربحه ويكون شريكا للقوم مكانه ، فإذا نظر إليه رآه قبيحا واستغلاه .

قال مالك : ذلك لازم له ولا خيار له فيه ، إذا كان ابتاعه على برنامج وصفة معلومة .

قال مالك ، في الرجل يقدم له أصناف من البز ، ويحضره السوام ، ويقرأ عليهم برنامجه ، ويقول : في كل عدل كذا وكذا ملحفة بصرية ، وكذا وكذا ريطة سابرية ذرعها كذا وكذا ، ويسمي لهم أصنافا من البز بأجناسه ، ويقول : اشتروا مني على هذه الصفة ، فيشترون الأعدال على ما وصف لهم . ثم يفتحونها فيستغلونها ويندمون .

قال مالك : ذلك لازم لهم إذا كان موافقا للبرنامج الذي باعهم عليه .

قال مالك : وهذا الأمر الذي لم يزل عليه الناس عندنا ، يجيزونه بينهم إذا كان المتاع موافقا للبرنامج ، ولم يكن مخالفا له .

[ ص: 212 ]

التالي السابق


[ ص: 212 ] 29870 - قال أبو عمر : بيع البرنامج هو من باب بيع الغائب على الصفة .

29871 - وقد اختلف في ذلك السلف والخلف .

29872 - فمنهم من أجازه وأبطل فيه خيار الرؤية إذا وجد على الصفة ، وهو قول مالك ، وأكثر أهل المدينة ، وهو أحد قولي الشافعي في بيع الغائب على الصفة .

29873 - ومنهم من قال : للمشتري فيه خيار الرؤية على كل حال ، وبه قال : أبو حنيفة ، وأصحابه ، وهو أحد قولي الشافعي .

29874 - وللشافعي قول ثالث هو الذي اختاره المزني أن البيع في ذلك باطل ، لأنه لا عين مرئية ، ولا صفة مضمونة ، وأنهما يفترقان في خيار الرؤية على غير تمام بيع ، ولا صفقة .

29875 - ومن حجته في ذلك على مالك أنه لم يجز بيع الساج المدرج في جرابه ولا الثوب القبطي في طيه حتى ينشر ، وينظر إلى ما في أجوافهما ، قال : والنظر إليهما دون نشرهما لصفة البرنامج ، أو أكثر منها ، قال وإذا لم يجز ذلك في الثوب الواحد ، وغرره أقل ، كان الغرر في الكثير من الثياب أكثر .

29876 - قال أبو عمر : قد وقف مالك على معنى ما ذكره الشافعي ، وقال : فرق بين ذلك الأمر المعمول به ، وما في صدور الناس من معرفة ذلك ، وأنه [ ص: 213 ] لم يزل بيع البرنامج من عمل الناس الجائز بينهم ، ولا يشبه الملامسة .

29877 - ذكر عبد الرزاق ، عن معمر ، عن أيوب ، عن ابن سيرين ، قال : إذا ابتاع الرجل منك شيئا على صفة ، فلم تخالف ما وصفت له ، فقد وجب البيع .

29878 - قال أيوب : وقال الحسن : له خيار الرؤية .

29879 - وعن معمر ، قال : أخبرنا الزهري ، عن ابن المسيب ، قال : قال أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : وددنا لو أن عثمان بن عفان ، وعبد الرحمن بن عوف تبايعا حتى يعلم أيهما أعظم جدا في التجارة قال : فاشترى عبد الرحمن من عثمان فرسا من أرض أخرى بأربعين ألف درهم ، أو أربعة آلاف ، أو نحو ذلك ، إن أدركتها الصفقة وهي سالمة ، ثم أجاز قليلا فرجع ، فقال : أزيدك ستة آلاف إن وجدها رسولي سالمة ، قال : نعم ، فوجدها رسول عبد الرحمن قد هلكت ، وخرج منها بالشرط الآخر . قال رجل للزهري : فإن لم يشرط ؟ قال : هي من مال البائع .

29880 - وروى ابن وهب ، عن يونس ، عن ابن شهاب ، قال : كان عثمان بن عفان ، وعبد الرحمن بن عوف ، فذكر الخبر بمعناه ، ولم يذكر سعيد بن المسيب .

29881 - وفيه عن الصحابة جواز بيع الغائب إلا أن ظاهره ليس فيه صفة ، فهو حجة لأبي حنيفة الذي يجيز بيع الغائب على غير صفة ، فإذا رآه ، ورضيه [ ص: 214 ] صارت الصفقة ، وتم البيع ، وإن لم يرضه ، فلا بيع بينهما .

29882 - والصفة ، وغير الصفة عند أبي حنيفة ، وأكثر الكوفيين في باب بيع الغائب سواء ، لأنه فيه خيار الرؤية .

29883 - ومالك لا يجيزه على ذلك حتى يتواصفاه ، فإن وجد البيع على الصفة لزم المشتري ، ولا خيار له إذا رأى .

29884 - وأما بيع البرنامج ، فهو أيضا من بيوع المرابحة ، وهو الذي يسميه أهل العراق بيع " ده دوازده " ، وهو بيع البز والمتاع على الصفات العشرة من رأس المال أحد عشر بالربح ، ونحو ذلك .

29885 - وقد كرهه قوم ، وأجازه آخرون .

29886 - فمن كرهه يوجه كراهيته أنه بيع غير حاضرة ، لم ينظر إليها ، فدخلت من باب الملامسة ، والمنابذة ، والغرر ، ولم يلتفت من كره ذلك إلى الصفقة ؛ لأن الصفقة إنما تكون في بيع المضمونات على الصفة في الذمة ، وهو بيع السلم .

29887 - وفيه وجه آخر من الكراهة ؛ لأنه قد حسب في برنامجه كل ما اتفق عليه ، ومن أجازه ، فلما وصفنا من تبايع الصحابة الأشياء الغالية إما على الصفة ، وإما على خيار الرؤية .

29888 - ذكر عبد الرزاق ، وغيره ، عن الثوري ، عن خالد ، عن ابن سيرين ، قال :

" لا بأس ببيع " ده دوازده " وتحسب النفقة على الثياب " [ ص: 215 ] 29889 - وقال أبو حنيفة ، وأبو يوسف ، ومحمد في البيع على البرنامج مرابحة : إذا أربحه وهو لا يعلم الثمن فهو بالخيار إذا علم .

29890 - وقال أبو ثور : إذا اشترى منه متاعا ، بربح العشرة واحدا ، ولم يعلم رأس المال كم هو ؟ فالبيع باطل ، وإنما يكون الربح بعد العلم بالثمن ، ونحو ذلك عند مالك .

29891 - وعن الثوري ، عن الأعمش ، عن إبراهيم ، وعن جعدة بن ذكوان ، عن شريح ، قال : لا بأس ببيع " ده دوازده " وبه يقول الثوري .

29892 - وعن معمر ، قال : أنبئت أن ابن مسعود كره أن يأخذ للنفقة ربحا .

29893 - وعن معمر ، عن قتادة ، عن ابن المسيب أنه سأله عن بيع عشرة باثني عشر . ؟ قال : لا بأس به ما لم يأخذ للنفقة ربحا .

29894 - وعن معمر ، عن قتادة ، عن نوح بن أبي بلال ، قال : سمعت سعيد بن المسيب يقول : لا بأس ببيع " ده دوازده " ما لم يحسب الكراء .

[ ص: 216 ] 29895 - وقال عبد الرزاق : أخبرنا إسماعيل بن عبد الله ، قال أخبرني عبد الرحمن بن عجلان ، عن إبراهيم النخعي ، قال : لا بأس أن يأخذ للنفقة ربحا .

29896 - قال عبد الرزاق : قال سفيان : ربح النفقة أجر الغسال وأشباهه .

29897 - قال : وأخبرنا الثوري ، عن عمار الدهني ، عن ابن أبي نعم ، عن ابن عمر ، قال : بيع " ده دوازده " ربا .

29898 - قال : وأخبرني الثوري عن جابر ، عن القاسم بن عبد الرحمن ، عن مسروق أنه كره بيع " ده دوازده " 29899 - قال : وأخبرنا ابن عيينة ، عن عبيد الله بن أبي يزيد ، قال : سمعت ابن عباس يكره بيع " ده دوازده " وقال : ذلك بيع الأعاجم .

29900 - قال : وأخبرنا الثوري ، عن سالم الضبي ، عن إبراهيم ، قال : لا بأس أن يرقم على الثوب أكثر ما قام به ، ويبيعه مرابحة ، لا بأس بالبيع على الرقم .

29901 - قال : وأخبرنا إسماعيل بن عبد الله ، قال : أخبرنا عبد الرحمن بن [ ص: 217 ] عجلان ، قال : سألت إبراهيم النخعي ، قلت : الرجل يشتري الثوب ، فيرقمه ، فيزيد في رقمه كراءه وغيره ، ثم يبيعه مرابحة على الرقم ؟ قال : أليس ينظر المتاع وينشره ؟ قلت : بلى ، قال : لا بأس به .

29902 - قال أبو عمر : أما قول إبراهيم في تجويزه أنه يريد في الرقم الكراء ، والنفقة ، فقد أجاز ذلك من الفقهاء من ذكرنا قوله .

29903 - واختلفوا : هل يأخذ لذلك ربحا أم لا ؟ وقوله : لا بأس بأن يرقم على الثوب أكثر ما قام به ، ويبيعه مرابحة ، فالمعنى فيه أنه يقول : قد ربحت على ثوبي ، وربحت كذا ، وكذا ، وأنا لا أبيعه إلا بكذا وكذا زيادة على ما رقمه به ، فهذا كالمساومة ؛ لأنه لا يقول له : مقام علي بكذا ، ولا أشتريه بكذا .

29904 - وكذا قال مالك .

29905 - والكذب لم يحل له بإجماع العلماء ، وللمشتري أن يقول له : لا أرضاه برأس ماله ، فكيف بالزيادة عليه ، وبما كسبته فيه .

29906 - وقد كره جماعة من العلماء ذلك ؛ لأنه باب من المكر والخديعة ، وليس كل العامة يعرف ذلك ، وربما توهم المشتري أنه يقول له بذلك اشتريت ، أو بكذا قام علي .

[ ص: 218 ] 29907 - وذكر عبد الرزاق ، قال : أخبرنا الثوري ، وقال : أخبرني واصل بن سليم ، عن طاوس أنه ذكر له قول إبراهيم ، فقال : لا أبيعن سلعتي بالكذب .

29908 - قال : وأخبرنا معمر ، عن أيوب ، عن ابن سيرين أنه كان يكره أن يقول : أربحني على هذا الرقم ، ولا أرى بأسا أن يقول : زدني على الرقم بكذا ، وكذا .

29909 - قال أبو عمر : هذا لما ذكرت لك ؛ لأنه إذا قال له : ربحني على الرقم كذا أوهمه أن الرقم هو ما اشتراه به ، أو ما قام عليه به عند من أجاز ذلك أيضا ، وبالله التوفيق .

29910 - وقال أبو حنيفة ، وأبو يوسف ، ومحمد في البيع على البرنامج مرابحة : إذا أربحه وهو لا يعلم الثمن ، فهو بالخيار إذا علم .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث