الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب في غفران الله الذنوب

4934 [ ص: 58 ] باب في غفران الله الذنوب

وقال النووي: (باب سقوط الذنوب بالاستغفار، توبة).

(حديث الباب)

وهو بصحيح مسلم \ النووي، ص 65، ج17، المطبعة المصرية

(عن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه) وآله (وسلم: «والذي نفسي بيده! لو لم تذنبوا، لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون: فيستغفرون فيغفر لهم»

وفي حديث «أبي أيوب الأنصاري» ؛ أنه قال - حين حضرته الوفاة -: كنت كتمت عنكم شيئا، سمعته من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؛ يقول: «لولا أنكم تذنبون، لخلق الله خلقا يذنبون: يغفر لهم» ). رواه مسلم.

وفي رواية أخرى عنه، عنده، بلفظ: « لو أنكم لم تكن لكم: ذنوب يغفر الله لكم: لجاء الله بقوم لهم ذنوب يغفرها لهم» .

التالي السابق


(الشرح)

قال النووي: وإنما كتمه أولا: مخافة اتكالهم على سعة رحمة الله، وانهماكهم في المعاصي. وحدث به ثانيا - عند وفاته -: لئلا يكون كاتما للعلم. وربما لم يكن أحد يحفظه غيره، فتعين عليه أداؤه.

[ ص: 59 ] وهو نحو قوله - في الحديث الآخر -: «فأخبر بها معاذ عند موته - تأثما -». أي: خشية الإثم، بكتمان العلم.

قال: وقد سبق شرحه، في كتاب الإيمان.

وقد سئل شيخنا: الإمام العلامة «محمد بن علي الشوكاني» رضي الله عنه، عن حديث الباب هذا: فأجاب بما لفظه (في الفتح الرباني): هكذا أقول: إن وجه وقوع الإشكال، في هذا الحديث - الجماعة من أهل العلم -: أنهم ظنوا، أنه يدل على أن وقوع الذنوب من العصاة: مطلوب للشارع. وهذا تخيل مختل، وفهم فاسد معتل ؛ فإن الحديث لا يدل على ذلك لا بمطابقة، ولا تضمن، ولا التزام ؛ فإن قوله: «لو لم تذنبوا، لذهب الله بكم، ولجاء بقوم... إلخ»: لا يدل إلا على أن هذا النوع الإنساني - باعتبار مجموعه -: لا يخلو عن الذنب قط. ولو فرضنا أنه يخلو عنه: لم يكن إنسانا، بل غير إنسان. لأن العصمة لجملة النوع: باطلة. وما استلزم الباطل: باطل. وقد قضى الله في سابق علمه - كما أخبرنا بذلك، في كتابه، وعلى لسان رسله -: أن فريقا من هذا النوع «في الجنة»، وفريقا «في السعير».

[ ص: 60 ] وأن منهم الشقي، والسعيد. والبر والفاجر. والمسلم والكافر.

وأخبرنا أيضا على لسان رسله -: أنه خلق الجنة، وخلق لها أهلا، وخلق النار، وخلق لها أهلا.

وأخبرنا أيضا: أنه الغفور الرحيم، المنتقم الجبار شديد العقاب، ونحو ذلك من الأسماء والصفات.

فلو فرضنا أن مجموع هذا النوع الإنساني، لا يصدر منه ذنب أصلا: كانت هذه الإخبارات الإلهية باطلة. وما استلزم الباطل: باطل.

وبيان الملازمة: أنه إذا لم يوجد المذنب، لم يوجد الشقي فيهم، ولا الكافر، ولا الفاجر. ولا من هو من أهل النار. وأيضا لم يوجد: من يستحق العفو عنه والرحمة به، والانتقام منه والعقوبة له.

وأما بطلان اللازم: فظاهر متقرر. فظهر بهذا: أن الحديث مسوق لبيان أن العصمة عن مجموع هذا النوع الإنساني منهم: المطيع. ومنهم: العاصي. ومنهم: من جمع بين الطاعة والمعصية.

وأنهم مظاهر الأسماء الحسنى، والصفات: المتضمنة للغضب والرضاء، والرحمة والعقوبة، والنعيم والعذاب، والعفو والعقاب. وأن منهم فريقا «في الجنة»، ومنهم فريق «في النار».

فمن رام أن يكونوا - جميعا - معصومين عن الذنوب: فقد رام

[ ص: 61 ] شططا، وخالف الشرائع بأسرها، كما خالف الواقع ونفس الأمر. ولم يبق على ما زعمه: ثمرة لإنزال الكتب، وبعثة الرسل.

قال: هذا حاصل ما يظهر لي، في معنى الحديث الصحيح.

ومن رام: الوقوف، على جميع ما قيل في ذلك، فليبحث مطولات شروح الحديث. وفي هذا المقدار كفاية، لمن له هداية. والله ولي التوفيق.



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث