الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب فيمن أصاب ذنبا ثم توضأ وصلى المكتوبة

4966 باب فيمن أصاب ذنبا، ثم توضأ وصلى المكتوبة

وذكره النووي، في: (باب قوله تعالى: إن الحسنات يذهبن السيئات ).

(حديث الباب)

وهو بصحيح مسلم \ النووي، ص 81، 82 ج 17، المطبعة المصرية (عن أبي أمامة، رضي الله عنه، قال: بينما رسول الله صلى الله عليه) وآله (وسلم، في المسجد، ونحن قعود معه: إذ جاء رجل [ ص: 102 ] فقال: يا رسول الله! إني أصبت حدا فأقمه علي. فسكت عنه رسول الله صلى الله عليه) وآله (وسلم. ثم أعاد، فقال: يا رسول الله! إني أصبت حدا، فأقمه علي. فسكت عنه. وقال ثالثة، فأقيمت الصلاة. فلما انصرف نبي الله صلى الله عليه) وآله (وسلم قال أبو أمامة: فاتبع الرجل رسول الله صلى الله عليه) وآله (وسلم - حين انصرف - واتبعت رسول الله صلى الله عليه) وآله (وسلم: أنظر ما يرد على الرجل. فلحق الرجل رسول الله صلى الله عليه) وآله وسلم) فقال: يا رسول الله! إني أصبت حدا فأقمه علي فقال أبو أمامة: فقال له رسول الله صلى الله عليه) وآله (وسلم: «أرأيت - حين خرجت من بيتك - أليس قد توضأت، فأحسنت الوضوء ؟ » قال: بلى. يا رسول الله! قال: «ثم شهدت الصلاة معنا ؟ » قال: نعم. يا رسول الله! فقال له رسول الله صلى الله عليه) وآله (وسلم: «فإن الله، قد غفر لك: حدك - أو قال: ذنبك -»).

[ ص: 103 ]

التالي السابق


[ ص: 103 ] (الشرح)

هذا تصريح: بأن الحسنات، تكفر السيئات.

قال النووي: هذا «الحد» معناه: معصية من المعاصي الموجبة للتعزير. وهي هنا من الصغائر. لأنها كفرتها الصلاة. ولو كانت كبيرة موجبة لحد أو غير موجبة له: لم تسقط بالصلاة؛ فقد أجمع العلماء: على أن المعاصي الموجبة للحدود، لا تسقط حدودها بالصلاة.

قال: هذا هو الصحيح، في تفسير هذا الحديث.

وحكى عياض عن بعضهم، أن المراد بالحد: المعروف. قال: وإنما لم يحده لأنه لم يفسر موجب الحد، ولم يستفسره النبي صلى الله عليه وآله وسلم عنه: إيثارا للستر. بل استحب: تلقين الرجوع عن الإقرار بموجب الحد صريحا. انتهى).

قلت: وفي حديث «عبد الله»، عند مسلم: ما يوضح المراد من حديث الباب. ولذا صدر مسلم الباب به. ولفظه عنه، رضي الله عنه ؛ قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ فقال: يا رسول الله! إني عالجت امرأة - في أقصى المدينة - وإني أصبت منها: ما دون أن أمسها. فأنا هذا، فاقض في ما شئت. فقال له عمر: لقد سترك الله، لو سترت نفسك. قال: فلم يرد النبي صلى الله عليه وآله وسلم: شيئا.

[ ص: 104 ] فقام الرجل، فانطلق، فأتبعه النبي صلى الله عليه وآله وسلم: رجلا، دعاه، وتلا عليه هذه الآية {وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين فقال رجل من القوم: يا نبي الله! هذا له خاصة ؟ قال: «بل للناس كافة».


«المس»: الجماع. ومعناه: استمتعت بها: بالقبلة، والمعانقة، وغيرهما من جميع أنواع الاستمتاع، إلا الجماع. واختلفوا في المراد «بالحسنات» هنا ؛ فنقل الثعلبي «رحمه الله»: أن أكثر المفسرين، على أنها الصلوات الخمس. واختاره «ابن جرير»، وغيره من الأئمة.

وقال مجاهد: هي قول العبد: «سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر».

ويحتمل أن المراد: الحسنات مطلقا. ويدخل في «صلاة طرفي النهار»: الصبح، والظهر، والعصر.

وفي «زلفا من الليل»: المغرب، والعشاء.

وبالجملة «مفهوم هذين الحديثين»: تكفير الذنوب الصغائر: بالصلاة)، ونحوها من الحسنات.

[ ص: 105 ] وأما الكبائر: فتغفر بالتوبة بلا شك. وإن لم يتب: فهو في مشيئة الله سبحانه ؛ إن شاء غفرها، وإن شاء عذب عليها. هذا في حقوق الله تعالى.

وأما حقوق العباد فقالت شرذمة قليلة: يهدمها الحج، والإسلام، والهجرة، ونحوها.

وقال الأكثرون: هي تتوقف على عفو صاحب الحق.

وأما المعاصي التي لها حدود ؛ فالمستور منها: يحتمل أن يغفره الله سبحانه. بعميم فضله، وشمول كرمه. لأنه تعالى ستره عليه في الدنيا، فيستره في الآخرة.

وأما المكشوف منها: فيجب عليه الحد، ولا يعفى بعفو صاحب الحق، إلا ما ورد به الدليل. هذا خلاصة القول في هذا الباب. والله أعلم بالصواب.



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث