الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

سورة مريم باب في قوله تعالى وأنذرهم يوم الحسرة

5087 [ ص: 715 ] سورة مريم : باب في قوله تعالى : « وأنذرهم يوم الحسرة

وهو في النووي ، في : (باب جهنم ، أعاذنا الله منها ) .

(حديث الباب )

وهو بصحيح مسلم \ النووي ، ص 184 ، 185 ج 17 ، المطبعة المصرية

قال الإمام مسلم : (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، وأبو كريب -وتقاربا في اللفظ- ؛ قالا : حدثنا أبو معاوية عن الأعمش ؛ عن أبي صالح ؛ عن أبي سعيد ؛ قال : . قال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : «يجاء بالموت -يوم القيامة- كأنه كبش أملح ، -زاد أبو كريب : فيوقف بين الجنة والنار ، واتفقا في باقي الحديث- فيقال : يا أهل الجنة ! هل تعرفون هذا ؟ فيشرئبون وينظرون ، ويقولون : نعم . هذا الموت . قال : ويقال : يا أهل النار ! هل تعرفون هذا ؟ قال : فيشرئبون وينظرون ، ويقولون : نعم . هذا الموت . قال : فيؤمر به ، فيذبح .

قال : ثم يقال : يا أهل الجنة ! خلود ، فلا موت .

ويا أهل النار ! خلود ، فلا موت . قال : ثم قرأ رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر وهم في غفلة وهم لا يؤمنون ، وأشار بيده إلى الدنيا
) .

التالي السابق


(الشرح)

(عن أبي سعيد ) رضي الله عنه ؛ (قال : قال رسول الله صلى [ ص: 716 ]

الله عليه وآله وسلم : يجاء بالموت - يوم القيامة - كأنه كبش أملح ) قيل : هو الأبيض الخالص . قاله ابن الأعرابي .

وقال الكسائي : هو الذي فيه بياض وسواد ، وبياضه أكثر . (-زاد أبو كريب : فيوقف بين الجنة والنار ، واتفقا في باقي الحديث - فيقال : يا أهل الجنة ! هل تعرفون هذا ؟ فيشرئبون ) بالهمز ، أي : يرفعون رؤوسهم إلى المنادي (وينظرون ، ويقولون : نعم . هذا الموت . قال : ثم يقال : يا أهل النار ! هل تعرفون هذا ؟ قال : فيشرئبون وينظرون ، ويقولون : نعم . هذا الموت . قال : فيؤمر به ، فيذبح ) .

قال المازري : «الموت » عند أهل السنة - عرض ، يضاد الحياة .

وقال بعض المعتزلة : ليس بعرض ، بل معناه : عدم الحياة . وهذا خطأ لقوله تعالى : « خلق الموت والحياة . فأثبت الموت مخلوقا .

وعلى المذهبين : ليس الموت بجسم (في صورة كبش ، أو غيره ) فيتأول الحديث : على أن الله يخلق هذا الجسم ، ثم يذبح مثالا ، لأن الموت لا يطرأ على أهل الآخرة .

(قال : ثم يقال : يا أهل الجنة ! خلود ، فلا موت . ويا أهل النار ! خلود ، فلا موت ) .

[ ص: 717 ] فيه : تصريح ببقاء الجنة والنار ، وأنهما لا تفنيان أبدا ، وأصحابهما خالدون فيهما أبدا .

والحديث يرد : قول من قال بفناء النار ، من أهل العلم والسلوك ، ويدفعه .

وهذا الحديث ، وما وافقه من آيات الكتاب العزيز : نصوص محكمة ، صريحة في عدم فنائها وفناء أصحابها . والله أعلم .

ويؤيده : الرواية الأخرى بلفظ : «يا أهل الجنة ! لا موت ، ويا أهل النار ! لا موت ، كل خالد فيما هو فيه » . وزاد في رواية : «فيزداد أهل الجنة فرحا إلى فرحهم ، ويزداد أهل النار حزنا إلى حزنهم » .

(قال : ثم قرأ رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم : وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر وهم في غفلة وهم لا يؤمنون وأشار بيده إلى الدنيا ) .

وفي رواية عند غير مسلم : ( أشار بيده ، فقال : «أهل الدنيا في غفلة » ) .

[ ص: 718 ] وأخرج النسائي ، وابن أبي حاتم ، وابن مردويه - عن أبي هريرة مرفوعا - : نحوه .

قال في(فتح البيان ): عن ابن عباس ؛ قال : « يوم الحسرة ، هو من أسماء يوم القيامة » . وقرأ : « أن تقول نفس يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله . وفي سنده « علي بن أبي طلحة » ، وهو ضعيف .

قال الشوكاني في(فتح القدير ): والآية التي استدل بها « ابن عباس » ، رضي الله عنهما : لا تدل على المطلوب : لا بمطابقة ، ولا تضمن ، ولا التزام . انتهى .

ومعنى الآية الشريفة : «يوم يتحسرون جميعا ؛ فالمسيء يتحسر على إساءته ، والمحسن على عدم استكثاره من الخير : «إذ قضي الأمر » ، من الحساب ، وطويت الصحف ، وصار أهل الجنة في الجنة ، وأهل النار في النار ، وهم غافلون عما يعمل بهم ، «وهم لا يؤمنون » به ، والله أعلم .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث