الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة إنا هدنا إليك

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة إنا هدنا إليك . أي : وأثبت لنا عاقبة وحياة طيبة أو عملا صالحا يستعقب ثناء حسنا في الدنيا ، وفي الآخرة الجنة والرؤية والثواب على حسنة الدنيا ، والأجود حمل الحسنة على ما يحسن من نعمة وطاعة وغير ذلك ، وحسنة الآخرة الجنة لا حسنة دونها ، وإنا هدنا تعليل لطلب الغفران والحسنة وكتب الحسنة أي : تبنا إليك ، قاله ابن عباس ومجاهد وابن جبير وأبو العالية وقتادة والضحاك والسدي : من هاد يهود ، وقال ابن بحر : تقربنا بالتوبة ، وقيل : ملنا . ومنه قول الشاعر :


قد علمت سلمى وجاراتها أني من الله لها هائد

أي : مائل ، وقرأ زيد بن علي وأبو وجزة : هدنا بكسر الهاء من هاد يهيد إذا حرك ، أي حركنا أنفسنا وجذبناها لطاعتك ، فيكون الضمير فاعلا ، ويحتمل أن يكون مفعولا لم يسم فاعله ، أي حركنا إليك وأملنا ، والضم في هدنا يحتملهما ، وتضمنت هذه الجمل كونه تعالى هو ربهم ووليهم ، وأنهم تائبون عبيد له خاضعون فناسب عز الربوبية أن يستعطف للعبيد التائبين الخاضعين بسؤال المغفرة والرحمة والكتب .

قال عذابي أصيب به من أشاء ورحمتي وسعت كل شيء . الظاهر أنه استئناف إخبار عن عذابه ورحمته ، ويندرج في قوله : أصيب به من أشاء أصحاب الرجفة ، وقيل : العذاب هنا هو الرجفة ، ومن أشاء : أصحابها ، والمعنى أنه لا اعتراض عليه ، أي من أشاء عذابه ، وقيل : من أشاء أن لا أعفو عنه ، وقيل : من أشاء من خلقي كما أصبت به قومك ، وقيل : من أشاء من الكفار ، وقيل : المشيئة راجعة إلى التعجيل والإمهال لا إلى الترك والإهمال ، وقال الزمخشري : ممن أشاء من وجب علي في الحكمة تعذيبه ولم يكن في العفو عنه مساغ لكونه مفسدة ، انتهى ، وهو على طريقة المعتزلة ، وقال ابن عباس : أصيب من أشاء على الذنب اليسير ، وقال أيضا : وسعت كل شيء من ذنوب المؤمنين ، وقال أبو روق هي التعاطف بين الخلائق ، وقال ابن زيد : هي التوبة على العموم ، وقال الحسن : هي في الدنيا بالرزق عامة وفي الآخرة بالمؤمنين خاصة ، وقال الزمخشري : وأما رحمتي فمن حالها وصفتها أنها واسعة كل شيء ، ما من مسلم ولا كافر ولا مطيع ولا عاص ، إلا وهو متقلب في نعمتي ، انتهى ، وهو [ ص: 402 ] بسط قول الحسن : هي في الدنيا بالرزق عامة ، وقرأ زيد بن علي والحسن وطاوس وعمرو بن فائد : ( من أساء ) من الإساءة ، وقال أبو عمرو الداني : لا تصح هذه القراءة عن الحسن وطاوس ، وعمرو بن فائد رجل سوء ، وقرأ بها سفيان بن عيينة مرة واستحسنها ، فقام إليه عبد الرحمن المقري وصاح به وأسمعه فقال سفيان : لم أدر ولم أفطن لما يقول أهل البدع ، وللمعتزلة تعلق بهذه القراءة من جهة إنفاذ الوعيد ، ومن جهة خلق المرء أفعاله ، وإن أساء لا فعل فيه لله تعالى ، والانفصال عن هذا كالانفصال عن سائر الظواهر .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث