الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
( واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد وبوأكم في الأرض تتخذون من سهولها قصورا وتنحتون الجبال بيوتا فاذكروا آلاء الله ولا تعثوا في الأرض مفسدين ) [ ص: 329 ] ذكر صالح قومه بما ذكر به هود قومه فذكر أولا نعما خاصة ، وهي جعلهم خلفاء بعد الأمة التي سبقتهم ، وذكر هود لقومه ما اختصوا به من زيادة البسطة في الخلق وذكر صالح لقومه ما اختصوا به من اتخاذ القصور من السهول ونحت الجبال بيوتا ، ثم ذكر أنعما عامة بقولهما ( فاذكروا آلاء الله ) ، ومعنى ( وبوأكم في الأرض ) أنزلكم بها وأسكنكم إياها ، والمباءة : المنزل في الأرض وهو من باء ، أي : رجع ، وتقدم ذكره ، والأرض هنا الحجر ما بين الحجاز والشام ، و " تتخذون " حال ، أو تفسير لقوله : ( وبوأكم في الأرض ) فلا موضع له من الإعراب ، والظاهر أن بعض السهول اتخذوه قصورا ، أي : بنوا فيه قصورا ، وأنشئوها فيه ولم يستوعبوا جميع سهولها بالقصور ، وقال الزمخشري : ( من سهولها قصورا ) ، أي : يبنونها من سهولة الأرض بما يعملون منها الرهص واللبن والآجر يعني أن القصور التي بنوها أجزاؤها متخذة من لين الأرض كالجيار والآجر والجص كقوله : ( واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلا ) يعني أن الصورة كانت مادتها من الحلي كما أن القصور مادتها من سهول الأرض والأجزاء التي صنعت منها ، وظاهر الاتخاذ هنا العمل فيتعدى ( تتخذون ) إلى مفعول واحد ، وقيل : يتعدى إلى اثنين والمجرور هو الثاني ، وقرأ الحسن ( وتنحتون ) بفتح الحاء ، وزاد الزمخشري : أنه قرأ ( وتنحاتون ) بإشباع الفتحة قال كقوله :


ينباع من ذفري غضوب جسرة

انتهى . وقرأ ابن مصرف بالياء من أسفل وكسر الحاء ، وقرأ أبو مالك بالباء من أسفل وفتح الحاء ومن قرأ بالياء فهو التفات ، وانتصب ( بيوتا ) على أنها حال مقدرة إذ لم تكن الجبال وقت النحت بيوتا كقولك إبر لي هذه اليراعة قلما وخط لي هذا قباء ، وقيل : مفعول ثان على تضمين ( وتنحتون ) معنى وتتخذون ، وقيل : مفعول بتنحتون و ( الجبال ) نصب على إسقاط من ، أي : من الجبال ، وقرأ الأعمش ( تعثوا ) بكسر التاء لقولهم أنت تعلم وهي لغة و ( مفسدين ) حال مؤكدة ، قال ابن عباس : القصور لمصيفهم والبيوت في الجبال لمشتاهم ، وقيل : نحتوا الجبال لطول أعمارهم كانت القصور تخرب قبل موتهم ، قال وهب : كان الرجل يبني البنيان فتمر عليه مائة سنة فيخرب ، ثم يجدده فتمر عليه مائة سنة فيخرب ، ثم يجدده فتمر عليه مائة سنة فيخرب فأضجرهم ذلك فاتخذوا الجبال بيوتا .

التالي السابق


الخدمات العلمية