الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
            معلومات الكتاب

            المعطيات الحضارية لهجرة الكفاءات

            نخبة من الباحثين

            - المهاجر العربي والتفكك اللساني:

            لاشك أن الهجرة هي واحدة من أهم سبل تحقيق التعارف بين الشعوب والمجتمعات [1] ، فهي من هذا الوجه ذات بعد حضاري في كل زمن وتحديدا في زمن العولمة التي قلصت المسافات [2] ، لكنه يعرض لكثير من المهاجرين العرب بأن يختل أهم ركن من أركان هويتهم، وذلك بأن تتبلبل ألسنتهم الأصلية مع اندماجهم في مجتمعات غير عربية خصوصا مع نفسيات تحمل الهزيمة الحضارية تجاه الغرب، فاضطرارهم لتعلم الألسنة الأجنبية يؤدي إلى ظهور أشكال من الرطانة والفساد اللغوي بحيث يتداخل النسقان اللسانيان لدى المتحدثين الذين لم يخضعـوا لتكوين لغوي كاف، فتسمع "رطانة"

            [3] [ ص: 40 ] أو قل لغة "خليطا" من العربية والفرنسية أو العربية والهولندية أو الألمانية على ألسنة المهاجرين من شمال إفريقيا، خليط هو دليل على الاضطراب والتمزق والتفكك.

            وتظل هذه الحالة ملازمة للمتحدثين حتى بعد عودتهم من بلدان المهجر في فترات العطل والإجازات، إذ لا يجد المستمع عناء في تمييز هذه الفئة من "العائدين" بنصف لسان، لا هو باللسان العربي ولا باللسان الأجنبي.

            وقد يرتقي هذا النوع من السـلوك اللساني لدى البعض ليشكل لديه ما يسمى بالتناشز المعرفي، وهي حالة من التناقض بين المعتقدات التي يحملها الفرد وبين السلوك الذي يصدر عنه، وعادة ما يؤدي التعارض أو التناقض إلى إحداث حالة من التوتر وعدم الارتياح [4] .

            فكيف يعيش العرب حياتهم مع عربيتهم، تعلما وتعليما؟

            لابد أن نشير إلى أن العربية باعتبارها لغـة ثقافـة وهوية لأجيال كثيرة من المغـتربين لا تزال لا تحـظى بما يلزم من إدماج على الأقل في نسق التعليم والتربية بالغرب، فهي على أحسن تقدير ما تزال اختيارية وفي إطار التعليم التكميلي بسقف ساعات محدود جدا، بل وفي بعـض الدول ما تزال الجمعيات والنوادي والمراكز الإسلامية والعربية هي وحدها من يقوم [ ص: 41 ] بأعباء النهوض بالعربية في إطار برامج حرة وتطوعية، وإن كانت تعرف بعض الإقبال المتزايد في السنين الأخيرة، لكنها تظل دون التطلعات بسبب غياب لوبي عربي إسلامي قوي بما فيه الكفاية لفرضها من باب الحقوق اللغـوية وحمـايتها من التلاشي والضياع في ظل الصراع والحروب التي بين اللغات



            [5] .

            تبين لنا التقارير التي تناولت تجربة تدريس العربية على سبيل المثال في فرنسا أن هذا التعليم كان يواجه صعوبات عديدة ومشاكل لا حصر لها (ومازال يواجهها)، الأمر الذي جعله لا يحقق أهدافه المنتظرة، ومرد ذلك إلى الأسباب و العوامل التالية:

            - من جهة هناك قلة الوقت المخصص لتعليم اللغة العربية، فالوقت يتراوح بين ساعتين وساعتين ونصف والباقي يستهلك في أوقات الراحة.

            - من جهة أخرى: عدم إدراج نتائج هذا التعليم ضمن تقويم نشاط التلاميذ؛ لأن تعليم اللغة العربية يعتبر مادة اختيارية منذ البداية وهذا ما جعل الكثير من الأولياء يصرفون ويبعدون أولادهم عن هذه الحصص لأنها (كانت حسب رأيهم) على حساب أنشطة رسمية أخرى. [ ص: 42 ]

            - ثالثا: معارضة مديري المدارس لهذا التعليم ولذلك كانوا يحاولون العرقلة بعدة أشكال منها:

            1- برمجة حصص تعليم اللغة العربية في الأوقات المخصصة للنشاطات التي يميل إليها التلاميذ أو في المواد الأساسية.

            2- تحريض الأولياء على تنفير أبنائهم من تعلم لغتهم؛ لأن ذلك يرهقهم ويسبب فشلهم في المواد الرسمية ولاسيما في أوقات الاختبارات الفصلية.

            3 - تخصيص نشاط عمل المعلمين في أوقات غير ملائمة.

            ومما يزيد في تضخيم العراقيل "قانون شفنمان"، الصادر في 23 أبريل سنة 1985م، الذي جعـل كل المواد الملقـنة في المدارس الفرنسية مواد إجبارية بما في ذلك الأشغال اليدوية والرسم والموسيقى والرياضة البدنية إلخ.. وفي نفس الوقت كان يمنع أن يتجـاوز التوقيت الأسبـوعي أكثر من 27ساعة وهذا يعني منع الطفـل العربي من تعـلم لغته لأنه لا يسمـح له بالغيـاب أو بالوقت الإضافي.

            وأخيرا وليس آخرا: ليس هناك استمرارية في تعليم اللغة العربية في المراحل الموالية للتعليم الابتدائي مما يتعذر على التلميذ أن يواصل تعلم اللغة العربية داخل المؤسسات الفرنسية للتعليم الثانوي [6] . [ ص: 43 ]

            إن المشكلة كما يقول أحد الباحثين تكمن في صعوبة التنبؤ بمستقبل أبناء الجاليات العربية والإسلامية في الغرب حيث يتضاءل بمرور الوقت وزن الثقافة العربية الإسـلامية المحيطة بهم وينكمش بفضل متغيرات كثيرة يصعب التحكم فيها، في الوقت الذي يشتد فيه عنف المناخ الثقافي المقابل وطغيانه في حياتهم.. فالمحيط الذي هم فيه لا يستخدم إلا لغة البلد الذي يعيشون فيه [7] .

            وليس هذا فحسب ما تعانيه اللغة العربية كجزء من هوية المهاجرين في الغرب، وإنما يزيد من ضعفها الوظيفي طبيعة النظرة الدونية والانتقاصية التي لا تنفك عن الصورة النمطية التي يحملها قطاع كبير من الغرب عن العربية ثقافة وتاريخا وحضارة ودينا [8] ، وما ارتبط بها من فوبيا مصطنعة عن العرب والإسلام، والتي تنسحب على حامل هذه الثقافة ومتكلم هذه اللغة فتكرس إبعاده عنها وتحيزه في غيرها وإهماله لها [9] . [ ص: 44 ]

            التالي السابق


            الخدمات العلمية