الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            فصل : ويدل عليه الاعتبار بالمعاني المعقولة من وجهين :

                                                                                                                                            أحدهما : امتناع الحكم بالنكول .

                                                                                                                                            والثاني : جواز رد اليمين .

                                                                                                                                            فأما امتناع الحكم بالنكول فدليله من وجوه منها : أن إثبات الحق لا يكون بنفيه ، لأنه ضد موجبه ، ومن الممتنع أن وجود الضد ناف لحكمه ، ومثبت لحكم ضده ، كالإقرار لا يوجب إنكارا كذلك الإنكار لا يوجب إقرارا ، ويجري هذا الاستدلال قياسا ، وإن كان الاستدلال أصح أنه إنكار ، فلم يثبت به حكم الإقرار ، كالتكذيب لا يثبت به حق التصديق .

                                                                                                                                            ومنها أنه نكول عن يمين ، فلم يجب بها قبول الحق كالحد والقصاص .

                                                                                                                                            فإن قيل : النكول حجة ضعيفة ، فجاز أن يثبت بها أخف الحقوق دون أغلظها كالشاهد والمرأتين يثبت بها الأموال ، ولا يثبت بها الحدود والقصاص .

                                                                                                                                            قيل : إنما ضعف الشاهد والمرأتان لنقص النساء عن كمال الرجال ، والناكل عن [ ص: 143 ] اليمين كامل ، وجب أن يجري على نكوله حكم الكمال ، ولم يقع به الفرق بين نكول الرجال ، والنساء ، فبطل به هذا التعليل .

                                                                                                                                            فإن قيل : النكول عن اليمين يجري مجرى ترك الحق ، وبذل الأموال يصح ، فيثبت بالنكول ، وبذل الحدود والنفوس لا يصح ، فلم يثبت بالنكول .

                                                                                                                                            قيل : النكول ترك للحجة ، وليس ببذل للحق ، ولو كان بذلا لثبت حكمه بالنكول الأول كسائر البذول ، وهم لا يثبتونه إلا بعد نكوله ثلاثا ، فخرج عن صفة البذل ، فزال عنه حكم البذل ، ويتحرر من هذا المعنى قياسان :

                                                                                                                                            أحدهما : أنه نكول لا يقضى به في القصاص ، فلم يقض به في الأموال كالنكول الأول .

                                                                                                                                            والقياس الثاني : أنه حق لا يثبت بالنكول الأول ، فلم يثبت بالنكول الثالث كالقصاص .

                                                                                                                                            ومنها : أن المدعى عليه لو سكت عن جواب الدعوى ، فلم يقر ، ولم ينكر لم يقض عليه بالنكول عند أبي حنيفة ، فكان إذا أنكر ونكل أولى أن يقضى عليه بالنكول لأمرين :

                                                                                                                                            أحدهما : أن السكوت يحتمل الإقرار ، والإنكار لا يحتمل الإقرار .

                                                                                                                                            والثاني : أن في سكوته امتناعا من أمرين : الجواب واليمين وفي نكوله امتناع من اليمين دون الجواب ، فكان امتناعه من أحدهما أخف حكما من امتناعه منهما ويتحرر من هذا الاستدلال قياسان :

                                                                                                                                            أحدهما : أنه امتناع من لفظ وجب بالدعوى ، فلم يوجب الحكم بالدعوى كالثالث . والثاني : أنه أحد لفظي ما وجب بالدعوى ، فلم يكن السكوت عنه موجبا للحكم بالدعوى كالجواب .

                                                                                                                                            ومنها : أن يمين المنكر يقطع الخصومة ، ولا يسقط الحق ، لأن البينة لو قامت به بعد اليمين وجب ، فاقتضى ذلك أن يثبت بالنكول عنها ما كان منقطعا ، وهو بقاء الخصومة لا ثبوت الحق كما أن البينة لما كانت موجبة لثبوت الحق كان العدل عنها مانعا من سقوطه بها .

                                                                                                                                            [ ص: 144 ] وتحريره قياسا هو أن ما يثبت بحجة وقف بعدمها كالبينة .

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            الخدمات العلمية