الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            فصل : فأما المزني فإنه تكلم على فصلين :

                                                                                                                                            أحدهما : إيجاب الثمنين فإن أراد به مع اختلاف الوقتين ، فهو صحيح مسلم ، وإن أراد به مع اجتماع العقدين في وقت واحد فهو باطل مردود لامتناعه .

                                                                                                                                            وإن أراد به مع الإطلاق ، فهو أصح الوجهين ، وإن تورع فيه .

                                                                                                                                            [ ص: 363 ] وأما الفصل الثاني : فهو أنه جعل الشهادة عليه بمشاهدة العقدين ، كالشهادة على إقراره بالعقدين ، ولو قامت البينتان على إقراره بالعقدين ، لزمه الثمنان ، سواء أقر بهما في وقت ، أو وقتين ، كذلك الشهادة عليه بمشاهدة العقدين تقتضي أن تكون موجبة لالتزام الثمنين ، سواء كانتا في وقت ، أو وقتين ، وهذا الجمع بينهما في الوقت الواحد فاسد ، لأنه يصح أن يقر في الوقت الواحد بعقدين ، ولا يصح أن يباشر في الوقت الواحد فعل عقدين ، فصح الإقرار بهما في الوقت الواحد ، لإمكانه ، وبطل العقد عليه في الوقت الواحد ، لامتناعه ، وقد يجوز أن يكون في الإقرار تعارض في موضع ، وهو أن تتفق الشهادتان على أنه أقر مرة واحدة لواحد ، ثم اختلفا فيمن أقر له ، فشهدت إحداهما أن إقراره كان لزيد ، وشهدت الأخرى أن إقراره كان لعمرو ، فتتعارض الشهادتان في الإقرار ، كما تعارضت في العقد ، فيحمل تعارضهما على الأقاويل الثلاثة في الموضعين .

                                                                                                                                            مسألة : قال الشافعي رحمه الله : " ولو أقام رجل بينة أنه اشترى منه هذا العبد الذي في يديه بألف درهم ، وأقام العبد البينة أنه سيده الذي هو في يديه أعتقه ولم يوقت الشهود ، فإني أبطل البينتين لأنهما تضادتا وأحلفه ما باعه وأحلفه ما أعتقه ( قال المزني : ) قد أبطل البينتين فيما يمكن أن يكونا فيه صادقتين ، فالقياس عندي أن العبد في يدي نفسه بالحرية كمشتر قبض من البائع ، فهو أحق لقوة السبب ، كما إذا أقاما بينة والشيء في يدي أحدهما ، كان أولى به لقوة السبب ، وهذا أشبه بقوله " .

                                                                                                                                            قال الماوردي : وصورتها في عبد في ملك سيده ، ادعاه رجل أنه ابتاعه بألف درهم دفعها إليه ، وأقام به بينة ، وادعى العبد أن سيده أعتقه في ملكه ، وأقام به بينة فهذا على ضربين :

                                                                                                                                            أحدهما : أن يكون في البينتين تاريخ يدل على تقدم إحداهما على الأخرى ، فيحكم بشهادة المتقدمة دون المتأخرة ، فإن تقدم البيع على العتق ، حكم به مبيعا وأبطل أن يكون معتقا ، لأنه أعتقه بعد زوال ملكه عنه بالبيع ، وإن تقدم العتق على البيع ، حكم بعتقه وبطل بيعه ، لأنه باعه بعد زوال ملكه عنه ، بالعتق ، وأخذ برد الثمن على مشتريه ، لقيام البينة بعتقه .

                                                                                                                                            والضرب الثاني : أن لا يكون في البينتين بيان يدل على تقدم إحداهما على الأخرى ، إما لإطلاقهما ، وإما لتاريخ إحداهما ، وإطلاق الأخرى ، وإما لاجتماعهما في التاريخ على وقت واحد فتضاد اجتماعهما فيه ، فتصير البينتان في هذه الأحوال الثلاث متعارضتين وهي في اجتماع التاريخ متكاذبتين ، وفي إطلاقه غير متكاذبتين ، [ ص: 364 ] والحكم في تعارضهما ، سواء إذا لم يكن فيهما بيان ، وإذا كانت على هذا التعارض . فللعبد حالتان :

                                                                                                                                            إحداهما : أن يكون في يد سيده .

                                                                                                                                            والثانية : أن يكون في يد مدعي الشراء ، فإن كان في يد سيده فقد اختلف أصحابنا هل يكون تقديمه لإحدى البينتين مرجحا أم لا ؟ على وجهين :

                                                                                                                                            أحدهما : وهو قول أبي العباس بن سريج ، تترجح البينة بتصديقه ، لأنه ذو يد مالكة ، فعلى هذا إن صدق بينة المشتري على ابتياعه ، حكم به مبيعا ، وسقطت بينة عتقه ، ولا يمين للعبد على سيده ، لأنه لو اعترف له بالعتق بعد بيعه ، لم يغرم ، فلم يلزمه أن يحلف وإن صدق بينة العبد على عتقه ، حكم بعتقه ، وسقطت بينة بيعه ، وهل لمشتريه أن يرجع بثمنه ببينته بعد ردها في بيعه ؟ على قولين :

                                                                                                                                            أحدهما : يرجع بثمنه إذا قيل : إن ردها في البعض لا يوجب ردها في الكل ، فعلى هذا لا يمين للمشتري على البائع في إنكاره لبيعه ، لأنه لو اعترف بعد العتق لم يلزمه إلا رد الثمن ، وقد رد .

                                                                                                                                            والقول الثاني : أنه لا يرجع بثمنه بالبينة إذا قيل : إن رد البينة في البعض ، موجب لردها في الكل ، فعلى هذا يستحق المشتري إحلاف البائع على إنكاره ، لأنه لو اعترف له بعد العتق ، لزمه رد الثمن لأن اليمين تستحق في الإنكار إذا وجب العوض بالإقرار ويسقط في الإنكار إن سقط الغرم بالإقرار .

                                                                                                                                            والوجه الثاني : وهو قول أبي علي بن خيران ، وجمهور أصحابنا أنه لا تترجح واحدة من البينتين بتصديق البائع ، لأن كل واحدة منهما تشهد بزوال ملكه ، ورفع يده ، فعلى هذا يتحقق تعارض البينتين . وقال المزني : لا تعارض فيها ، ويحكم ببينة العتق ، لأن العبد في يد نفسه ، فصارت يمينه بينة داخل ، وبينة المشتري بينة خارج ؟ فقضى ببينة الداخل على بينة الخارج .

                                                                                                                                            وهذا ليس بصحيح ، لأن العبد لا يصح أن تكون له يد على نفسه ، لأن اليد عليه ، فامتنع أن تكون اليد له ، ألا تراه لو ادعاه على سيده أنه أعتقه ، وأنكره السيد لم يقبل قوله على السيد ، ولو كان في يد نفسه ، قبل قوله عليه ، أو لا ترى لو تنازع ابتياعه رجلان ، فصدق أحدهما لم يؤثر تصديقه ولو كانت له يد على نفسه لكان تصديقه مؤثرا ، وأما الحر فقد اختلف أصحابنا ، هل تكون له على نفسه يد أم لا ؟ على وجهين :

                                                                                                                                            أحدهما : تكون له يد على نفسه ، إذ ليس عليه يد لغيره .

                                                                                                                                            أولا ترى أن من ادعى لقيطا عبدا ، فاعترف له بالرق ، كان عبدا له ولو أنكره [ ص: 365 ] كان حرا ، ولم يكن عبدا ، ولو لم يكن في يد نفسه لما أثر إقراره ، وإنكاره ، وهذا قول أبي إسحاق المروزي .

                                                                                                                                            والوجه الثاني : وهو قول الأكثرين من أصحابنا . أنه لا يد للحر على نفسه ، لأن اليد تستقر على الأموال ولا حكم لها فيما ليس بمال ، فلم يكن له على نفسه يد ، كما لم تكن لغيره عليه يد ، وليس يقبل قول اللقيط ، لأن له يدا على نفسه ، ولكن لنفوذ إقراره على نفسه ، فلم يصح ما قالوه .

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            الخدمات العلمية