الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            [ ص: 360 ] فصل : وإذا تنازعا ثوبا في يد أحدهما منه ذراع ، وفي يد الآخر منه عشرة أذرع كانا في اليد سواء ، ولا يترجح من بيده أكثره ، على من بيده أقله ، لأنه لو تفرد أحدهما باليد لم يقع الفرق بين أن يكون بيده أكثره ، أو أقله .

                                                                                                                                            ولو تنازعا دارا ، وأحدهما في صحنها والآخر في دهليزها ، كانا في اليد سواء .

                                                                                                                                            وقال أبو حنيفة : الجالس في الصحن أحق باليد من الجالس في الدهليز .

                                                                                                                                            وليس بصحيح ، لأنه لو تفرد بالجلوس في الدهليز كانت يده عليها ، كما لو كان في صحنها ، وهكذا لو كان أحدهما على سطحها ، والآخر في سفلها كانا عندنا في اليد سواء ، ولا فرق أن يكون على السطح سترة حاجزة أو لا تكون ، أو على السطح ممرق حاجز من السفل أو لا يكون .

                                                                                                                                            ولو تنازعا متاعا في ظرف ، ويد أحدهما على الظرف ، ويد الآخر على المتاع اختص كل واحد منهما باليد على ما في يده ، ولا تكون اليد على الظرف مشاركة لليد على المتاع ، ولا اليد التي على المتاع مشاركة لليد على الظرف ، لانفصال أحدهما عن الآخر ، ولجواز أن يكون المتاع لواحد والظرف لآخر .

                                                                                                                                            ولو تنازعا عبدا ، ويد أحدهما على ثوبه ، ويد الآخر على ثوبه كانت اليد على العبد يدا على الثوب والعبد ، لأن يد العبد على الثوب أقوى ، فصارت اليد على العبد أقوى ، ولا يكون لصاحب اليد على الثوب يد على العبد ، ولا على الثوب ، لأن للعبد على الثوب يدا وتصرفا ، ولممسك الثوب يد من غير تصرف ، ولو تنازعا دابة أحدهما راكبها والآخر قائدها ، ففيه لأصحابنا وجهان :

                                                                                                                                            أحدهما : تكون لراكبها دون قائدها ، لأنه مع اليد المشتركة مختص بالتصرف .

                                                                                                                                            والوجه الثاني : هما مشتركان في اليد عليها ، لأن قودها تصرف كالركوب فاستويا ، ولو تنازعا سفينة أحدهما ممسك برباطها ، والآخر ممسك بخشبها ، كانت اليد لممسك الخشب ، دون ممسك الرباط ، لأن الخشب من السفينة والرباط ليس منها ، ولو كان أحدهما راكبها ، والآخر ممسكها ، كانت اليد للراكب ، دون الممسك لأن للراكب تصرفا ليس للممسك .

                                                                                                                                            ولو تنازعا دابة في إصطبل أحدهما ، وأكذبهما عليها ، فإن كان في الإصطبل دواب لغير مالكه ، استويا في اليد عليها ، لأن التصرف في الإصطبل قد صار مشتركا ، وإن لم يكن في الإصطبل دواب غير دواب صاحبه ، كانت اليد لصاحب الإصطبل خاصة لتفرده بالتصرف والله أعلم .

                                                                                                                                            مسألة : قال الشافعي رحمه الله : " ولو كان الثوب في يدي رجل وأقام كل واحد [ ص: 361 ] منهما البينة أنه ثوبه باعه من الذي هو في يديه بألف درهم ، فإنه يقضي به بين المدعيين نصفين ويقضي لكل واحد منهما عليه بنصف الثمن ( قال المزني ) رحمه الله : ينبغي أن يقضي لكل واحد منهما بجميع الثمن : لأنه قد يشتريه من أحدهما ويقبضه ثم يملكه الآخر ويشتريه منه ويقبضه ، فيكون عليه ثمنان ، وقد قال أيضا لو شهد شهود كل واحد على إقرار المشتري أنه اشتراه أو أقر بالشراء قضى عليه بالثمنين ( قال المزني ) : سواء إذا شهدوا أنه اشترى أو أقر بالشراء " .

                                                                                                                                            قال الماوردي : وهذه هي المسألة الثالثة التي يجتمع فيها مشتر وبائعان وصورتها في رجل بيده ثوب تنازعه رجلان ، فقال له كل واحد منهما ، هذا ثوبي بعته عليك بألف درهم ، وسلمته إليك ولي عليك ثمنه ، وأقام كل واحد منهما بينة بما ادعاه ، فلا تخلو بينتاهما من ثلاثة أحوال :

                                                                                                                                            أحدها : أن يكون تاريخهما مختلفا ، فتشهد بينة أحدهما أنه باعه عليه في رجب ، وتشهد بينة الآخر أنه باعه عليه في شعبان ، فلا تعارض في البينتين ، لإمكان حملهما على الصحة ، وهو أن يشتريه من أحدهما في رجب ، ويبيعه على الآخر ، ثم يعود فيشتريه منه ، فيصير مشتريا من كل واحد من البائعين . في وقتين بثمنين ، وإذا صح ذلك لزمه الثمنان من غير تكاذب ولا تعارض ، كما لو ادعت امرأة على زوجها أنه نكحها في يوم الخميس على صداق ألف ، ثم نكحها في يوم الجمعة على صداق ألفين ، وأقامت عليه البينة بكل واحد من النكاحين ، يحكم عليه بالصداقين ولا تتعارض فيه البينتان ، لأنه قد يتزوجها في يوم الخميس ، ويخالفها فيه بعد دخوله بها ، ثم يتزوجها في يوم الجمعة فيصح العقدان ويلزمه الصداقان .

                                                                                                                                            كذلك في مسألتنا : يصح فيه البيعان ، ويلزمه الثمنان ، بإمكان الصحة وامتناع التنافي ، وإذا أمكن حمل البينتين على الصحة لم يجز أن يحملا على التنافي والتضاد .

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            الخدمات العلمية