الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية

ابن تيمية - أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني

صفحة جزء
وذكر احتجاج بعض أصحابه بما روي عن أبي ذر وابن عباس في تفسير قوله في سورة النجم، واحتجاج بعضهم بقول ابن عباس في قوله: وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس [الإسراء: 60] أنها رؤيا عين أريها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: «وليس الخبر بالبين، أيضا إن ابن عباس أراد بقوله: (رؤيا عين) رؤية النبي صلى الله عليه وسلم ربه بعينه، لست أستحل أن أحتج [ ص: 294 ] بالتمويه، ولا أستجيز أن أموه على مقتبسي العلم، فأما خبر قتادة والحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس، وخبر عبد الله بن أبي سلمة، عن ابن عباس فبين واضح أن ابن عباس رضي الله عنهما كان يثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى ربه».

وهذا من كلامه يقتضي أنه اعتمد هذه الطرق، وأنها تفيد رؤية العين لله التي ينزل عليها قوله تعالى: وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس [الإسراء: 60] ويدل على ذلك حديث حماد بن سلمة، عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: «رأيت ربي» وحديث الحكم عن عكرمة في حكم المرفوع أيضا؛ لأنه ذكر خبر الرؤية على وجه لا يعلم بالرأي، ولا بتأويل القرآن، وكذلك حديث ابن أبي سلمة عن ابن عباس أخبر فيه بأمور تعلم من تفسير القرآن. وعلى هذا فيكون خبر عكرمة عن ابن عباس ونحوه رؤية عين، كما يذهب إلى ذلك طوائف من أهل الحديث.

ومع هذا فقد روي بهذا الإسناد بعينه عن عكرمة ما يبين أن [ ص: 295 ] رؤية الآخرة على وجه آخر. وقال في هذه الرواية: «ذاك نوره الذي هو نوره إذا تجلى بنوره لم يدركه شيء».

وروى عبد الرحمن: حدثنا إبراهيم بن حاتم، حدثنا أبو زرعة، حدثنا سلمة بن شبيب أبو عبد الرحمن، حدثنا إبراهيم بن الحكم بن أبان، حدثنا أبي، عن عكرمة في قوله عز وجل: وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة [القيامة: 22 - 23] قال: مسرورة فرحة إلى ربها ناظرة قال عكرمة: انظر ماذا أعطى الله عبده من النور [ ص: 296 ] في عينيه أن لو جعل الله جميع من خلق الله من الإنس والجن والدواب والطير وكل شيء من خلق الله فجعل نور أعينهم في عين عبد من عباده ثم كشف عن الشمس سترا واحدا ودونها سبعون سترا ما قدر أن ينظر إلى الشمس، والشمس جزء من سبعين جزءا من نور الكرسي، والكرسي جزء من سبعين جزءا من نور العرش، والعرش جزءا من سبعين جزءا من نور الستر، فانظر ماذا أعطى الله تعالى عبده من النور في عينيه أن النظر إلى وجه ربه الكريم عيانا».

لكن قال الحافظ أبو عبد الله بن منده: الوجه الرابع: ما رواه الإمام أبو بكر بن أبي عاصم في كتاب السنة: «حدثنا فضل بن [ ص: 297 ] سهل، حدثنا عمرو بن طلحة القناد، حدثنا أسباط، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس أنه قال في قوله تعالى: ولقد رآه نزلة أخرى قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم رأى ربه عز وجل، فقال له رجل: أليس قد قال: لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار فقال له عكرمة: أليس ترى السماء؟ قال: بلى، قال: أفكلها ترى؟» وهذا مروي من وجوه أخرى؛ فلهذا ترجم أبو بكر بن أبي عاصم: (باب ما ذكر من رؤية النبي صلى الله عليه وسلم ربه).

[ ص: 298 ] فروى حديث شعبة، عن قتادة، عن عكرمة، عن أنس «أن محمدا صلى الله عليه وسلم قد رأى ربه تبارك وتعالى».

وروى حديث حماد بن سلمة، عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس هذا، وروى حديث عاصم عن الشعبي وعكرمة عن ابن عباس قال: «رأى محمد ربه».

وروى حديث عكرمة، عن ابن عباس: «أن الله اصطفى إبراهيم بالخلة، واصطفى [ ص: 299 ] موسى بالكلام، واصطفى محمدا بالرؤية».

وروى حديث الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس الذي فيه: «ذلك إذا تجلى بنوره» واختصره، وقال: فيه كلام، يعني كلاما لم يذكره.

وروى من حديث عن جابر بن زيد، عن عطاء بن أبي رباح، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله: ثم دنا فتدلى [ ص: 300 ] قال: هو محمد دنا فتدلى إلى ربه عز وجل. وروى حديث محمد بن عمرو، عن أبي سلمة. وروى حديث هشام الدستوائي، عن قتادة، عن عبد الله بن شقيق، قال: «قلت لأبي ذر: لو رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم سألته عن شيء، قال: عن أي شيء كنت تسأله؟ قال: كنت أسأله: هل رأيت ربك؟ فقال: سألته، فقال: نور أنى أراه».

وحديث هشام، عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس: «أتعجبون أن تكون الخلة لإبراهيم، والكلام لموسى، والرؤية [ ص: 301 ] لمحمد صلى الله عليه وسلم» ثم إنه ذكر رؤية الله في الآخرة، ثم ذكر رؤية النبي صلى الله عليه وسلم ربه في المنام، فعلم أن أحاديث ابن عباس عنده في اليقظة، لكن لم يقل: بعينيه، فاحتجاج المحتج بهذه الآية وجوابه بقوله: ألست ترى السماء؟ قال: بلى، قال: فكلها ترى؟ دليل على أنه أثبت رؤية العين.

وقد يقال: بل أثبت رؤية القلب، ورؤية النبي بقلبه كرؤية العين، كما تقدم ذكر هذا من كلام الإمام أحمد وغيره، فلم يكن كلام ابن عباس مختلفا، وتكون هي رؤية يقظة بقلبه، والذي يدل على الجزم بهذا الوجه أن هذه من رواية سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، وقد روى ابن خزيمة والطبراني وغيرهما من حديث إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله تعالى: ما كذب الفؤاد ما رأى [النجم: 11] [ ص: 302 ] قال: «رآه بقلبه».

قال ابن خزيمة: حدثنا عمي، حدثنا عبد الرزاق، حدثنا إسرائيل، وقال الطبراني: حدثنا يوسف القاضي، حدثنا محمد بن كثير، حدثنا إسرائيل، فذكره، يبين ذلك ما رواه الترمذي في جامعه في تفسير سورة «والنجم» فروى حديث ابن عيينة، عن مجالد، عن الشعبي قال: لقي ابن عباس كعبا، فعرفه، فسأله عن شيء، فكبر حتى جاوبته الجبال، فقال ابن عباس: إنا بني هاشم [ ص: 303 ] نزعم أن محمدا رأى ربه، فقال كعب: إن الله قسم رؤيته وكلامه بين محمد وموسى، فكلم موسى مرتين ورآه محمد مرتين.

قال مسروق: «فدخلت على عائشة فقلت: هل رأى محمد ربه؟ فقالت: لقد قف شعري مما قلت، قلت: رويدا: ثم قرأت: لقد رأى من آيات ربه الكبرى قالت: أين يذهب بك؟! إنما هو جبريل. من أخبرك أن محمدا رأى ربه تعالى، أو كتم شيئا مما أمر به، أو يعلم الخمس التي قال الله تعالى: إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام الآية [لقمان: 34] فقد أعظم على الله الفرية، ولكنه رأى جبريل، لم يره على صورته إلا مرتين، مرة عند سدرة المنتهى، ومرة في جياد، له ستمائة جناح قد سد الأفق».

[ ص: 304 ] قال أبو عيسى: وقد روى داود بن أبي هند، عن الشعبي، عن مسروق، عن عائشة، عن النبي صلى الله عليه وسلم نحو هذا الحديث، وحديث داود أنص من حديث مجالد.

وروى الترمذي مثل ذلك عن الشيباني قال: وسألت زر بن حبيش عن قوله: فكان قاب قوسين أو أدنى فقال: أخبرني ابن مسعود «أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى جبريل له ستمائة جناح» قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب [ ص: 305 ] صحيح. ثم روى الترمذي فقال: حدثنا محمد بن عمرو بن نبهان بن صفوان البصري، حدثنا يحيى بن كثير العنبري، حدثنا سلم بن جعفر، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: «رأى محمد ربه، قلت: أليس الله يقول: لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار [الأنعام: 103] قال: ويحك! ذاك نوره إذا تجلى بنوره الذي هو نوره، وقد رأى محمد ربه مرتين» قال أبو عيسى: هذا حديث حسن [ ص: 306 ] غريب من هذا الوجه.

التالي السابق


الخدمات العلمية